الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٩٣ - التعارض بين قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله
وأيضا فإن كل من رام تعليم غيره ، إذا أراد المبالغة في إيصال معنى ما يقوله إلى فهمه ، استعان في ذلك بالإشارة بيده ، والتخطيط وتشكيل الاشكال ، ولولا أن الفعل أدل لما كان كذلك .
قلنا : غاية ما ذكرتموه وجود البيان بالفعل ، وكما وجد البيان بالفعل ، فقد وجد بالقول أغلب من البيان بالفعل . فإن أكثر الاحكام مستندها إنما هو الأقوال دون الافعال ، وغايته أنهما يتساويان في ذلك ويبقى ما ذكرناه من الترجيحات الأولى بحالها .
هذا كله إذا كان قوله خاصا به .
وأما إن كان قوله خاصا بنا دونه ، فإما أن يعلم تقدم الفعل أو القول ، أو يجهل التاريخ .
فإن علم تقدم الفعل ، فالقول المتأخر يكون ناسخا للحكم في حقنا دونه ، وإن كان القول هو المتقدم فالحكم في كون الفعل ناسخا لحكم القول في حقنا دون النبي فكما ذكرناه فيما إذا كان القول خاصا به .
وأما إن جهل التاريخ فالخلاف كالخلاف فيما إذا كان القول خاصا به ، والمختار إنما هو العمل بالقول لما علم .
وأما إن كان القول عاما له ولنا ، فأيهما تأخر كان ناسخا لحكم المتقدم في حقه وحقنا على ما ذكرناه من التفصيل في التعقيب والتراخي .
وإن جهل التاريخ ، فالخلاف كالخلاف . والمختار كالمختار .
هذا كله فيما إذا دل الدليل على تكرر الفعل في حقه وعلى تأسي الأمة به .
وأما إن دل الدليل على تكرره في حقه دون تأسي الأمة به ، فالقول إن كان خاصا بالأمة ، فلا تعارض لعدم المزاحمة ، بينهما .
وإن كان خاصا بالنبي ، أو هو عام له ، وللأمة ، فالتعارض بين القول والفعل إنما يتحقق بالنسبة إليه ، دون أمته ، لعدم قيام الدليل على تأسي الأمة به في فعله ، ولا يخفى الحكم ، سواء تقدم الفعل أو تأخر ، أو جهل التاريخ .