الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٠٤ - الإجماع حجة شرعية لها قوة النصوص
معصية على سبيل الرد عليه ، لان من صدق النبي عليه السلام ، وفعل بعض المعاصي ، لا يقال إنه مشاق للرسول . ومن كذب النبي عليه السلام لا يصح أن يعلم صحة الاجماع بالسمع ، ومن لا يصح عليه ذلك لا يصح أن يكون مأمورا باتباعه في تلك الحال ، وهو غير سديد .
فإن لقائل أن يقول : وإن سلمنا أن المفهوم من المشاقة للنبي تكذيبه ، وأن من كذب النبي لا يعلم بالسمع صحة الاجماع ، ولكن القول بأنه لا يكون مأمورا باتباع الاجماع مبني على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الاسلام ، وهو باطل بما سبق تقريره .
وقيل في جوابه أيضا إن الوعيد إذا علق على أمرين اقتضى ذلك التوعد بكل واحد من الامرين جملة وإفرادا . ويدل عليه قوله تعالى : * ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون . ومن يفعل ذلك يلق آثاما ) * ( ٢٥ ) الفرقان : ٦٨ ) فإنه يقتضي لحوق المأثم بكل واحد من هذه الأمور جملة ، وبكل واحد على انفراده .
ولقائل أن يقول : لا نسلم ثبوت الاثم في كل واحد من هذه الأمور على انفراده بهذه الآية ، وإنما كان ذلك مستفادا من الأدلة الخاصة الدالة على لزوم المأثم بكل واحد من هذه الأمور بخصوصه . ولهذا ، فإنه لما لم يدل الدليل الخاص على مضاعفة العذاب بكل واحد من هذه الأمور ، لم تكن الآية مقتضية لتضاعف العذاب على كل واحد بتقدير الانفراد إجماعا ، ولو كانت مقتضية لذلك ، لكان نفي المتضاعف بقوله : * ( يضاعف له العذاب يوم القيامة ، ويخلد فيه مهانا ) * ( ٢٥ ) الفرقان : ٦٩ ) على خلاف الدليل . ولهذا ، فإنه لو قال لزوجته : إن كلمت زيدا وعمرا ، أو إن كلمت زيدا ، ودخلت الدار ، فأنت طالق فإنه لا يقع الطلاق بوجود أحد الامرين ، ولولا أن الحكم المعلق على أمرين ، على العدم عند عدم أحدهما ، لكان انتفاء الحكم في هذه الصورة ، على خلاف الدليل ، وهو ممتنع ، والأقرب في ذلك أن يقال : لا خلاف في التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين