الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٨٧ - أفعال النبي صلى الله عليه وسلم
وأما الاجماع فهو أن الصحابة كانوا مجمعين على الرجوع إلى أفعاله ، كرجوعهم إلى تزويجه لميمونة ، وهو حرام ، وفي تقبيله ، عليه السلام للحجر الأسود ، وجواز تقبيله ، وهو صائم إلى غير ذلك من الوقائع الكثيرة التي لا تحصى .
فإن قيل : أما الآية الأولى ، وإن دلت على التأسي به والمتابعة في التزويج من أزواج الأدعياء إذا قضوا منهن وطرا ، فليس فيها ما يدل على التأسي والمتابعة في كل فعل .
وأما الأخيرتان ، فلا نسلم عموم دلالتها على المتابعة والتأسي في كل شئ إذ لا عموم لهما في ذلك . ولهذا فإنه يحسن أن يقال : لك في فلان أسوة في كل شئ ويقال : لك في فلان أسوة حسنة في هذا الشئ دون غيره ولو كان لفظ ( الأسوة ) عاما في كل شئ ، لكان قوله : ( في كل شئ ) تكرارا وقوله : ( في هذا الشئ دون غيره ) مناقضة ، بل غايتها الدلالة على المتابعة والتأسي في بعض الأشياء .
ونحن قائلون بذلك في اتباع أقواله والتأسي بما دل الدليل القولي على التأسي به في أفعاله ، كقوله : صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم ونحوه .
وأما ما ذكرتموه من الاجماع ، فلا نسلم أن المستند فيما كانوا يفعلونه التأسي بالنبي في فعله ، وإنما كان مستندهم في ذلك غيره ، أما فيما كان مباحا ، فالبقاء على الأصل ، أما فيما كان واجبا أو مندوبا فالأقوال الدالة على ذلك .
والجواب : عن الاعتراض على الآية الأولى ، أن الآية ليس فيها دلالة على خصوص متابعة المؤمنين للنبي ، عليه السلام ، في ذلك . ولولا أن التأسي بالنبي عليه السلام في جميع أفعاله لازم ، لما فهم المؤمنون من إباحة ذلك للنبي عليه السلام إباحة ذلك لهم ، ولا يمكن أن يقال بأن فهم الإباحة إنما كان مستندا إلى الإباحة الأصلية ، وإلا ، لما كان لتعليل تزويج النبي عليه السلام ، بنفي الحرج عن المؤمنين معنى ، لكونه مدفوعا بغيره .
وعن الاعتراض الثاني على الآيتين الأخريين ، أن مقصودهما إنما هو بيان كون النبي ، عليه السلام ، أسوة لنا ومتبعا ، إظهارا لشرفه ، وإبانة لخطره . وذلك إنما يكون في شئ واحد ، أو في جميع الأشياء . فإن كان في شئ واحد ، فإما أن