الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٨٥ - أفعال النبي صلى الله عليه وسلم
وعن الشبهة الخامسة : إنه وإن كان فعل الواجب أفضل مما ليس بواجب ، فلا يلزم أن يكون كل ما يفعله النبي عليه السلام واجبا . ولهذا ، فإن فعله للمندوبات كان أغلب من فعله للواجبات ، بل فعله للمباحات كان أغلب من فعله للمندوبات . وعن ذلك فليس حمل فعله على النادر من أفعاله أولى من حمله على الغالب منها وعن شبه القائلين بالندب .
أما الآية ، فجوابها مثل ما سبق في الاحتجاج بها على الوجوب .
وأما الشبهة العقلية : فلا نسلم أن غالب فعله المندوبات ، بل المباح . ولا نسلم أن المندوب داخل في الواجب على ما سبق تقريره .
وأما شبهة الإباحة : فنحن قائلون بها في كل فعل لم يظهر من النبي عليه السلام قصد التقرب به ، وأما ما ظهر معه قصد التقرب به ، فيمتنع أن يكون مباحا بمعنى نفي الحرج عن فعله وتركه . فإن مثل ذلك لا يتقرب به . وذلك مما يجب حمله على ترجيح جانب الفعل على الترك ، على ما قررناه .
وأما الواقفية : فإن أرادوا بالوقف أنا لا نحكم بإيجاب ولا ندب إلا أن يقوم الدليل على ذلك ، فهو الحق وهو عين ما قررناه . وإن أرادوا به أن الثابت أحد هذه الأمور ، لكنا لا نعرفه بعينه فخطأ . فإن ذلك يستدعي دليلا ، وقد بينا أنه لا دلالة للفعل على شئ سوى ترجيح الفعل على الترك ، عندما إذا ظهر من النبي عليه السلام قصد التقرب بفعله ، أو نفي الحرج مطلقا ، عندما إذا لم يظهر منه قصد القربة .
والأصل عدم دليل سوى الفعل . والله أعلم .