الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٢٠ - تحقيق معنى المندوب
المسألة الأولى ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من أصحابنا إلى أن المندوب مأمور به خلافا للكرخي وأبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة .
احتج المثبتون بأن فعل المندوب يسمى طاعة بالاتفاق ، وليس ذلك لذات الفعل المندوب إليه وخصوص نفسه ، وإلا كان طاعة بتقدير ورود النهي عنه ، ولا لصفة من الصفات التي يشاركه فيها غيره من الحوادث ، وإلا كان كل حادث طاعة ، ولا لكونه مرادا لله تعالى ، وإلا كان كل مراد الوقوع طاعة ، وليس كذلك ولا لكونه مثابا عليه ، فإنه لا يخرج عن كونه طاعة ، وإن لم يثب عليه ، ولا لكونه موعودا بالثواب عليه ، لأنه لو ورد فيه وعد لتحقق ، لاستحالة الخلف في خبر الشارع ، والثواب غير لازم له بالاجماع ، والأصل عدم ما سوى ذلك . فتعين أن يكون طاعة لما فيه من امتثال الامر ، فإن امتثال الامر يسمى طاعة ، ولهذا يقال : فلان مطاع الامر ، ومنه قول الشاعر :
( ولو كنت ذا أمر مطاع لما بدا * توان من المأمور في كل أمركا ) كيف وقد شاع وذاع إطلاق أهل الأدب قولهم بانقسام الامر إلى أمر إيجاب ، وأمر ندب .
فإن قيل : أمكن أن يكون طاعة لكون مقتضى ومطلوبا ممن له الطلب والاقتضاء ، ولا يلزم أن يكون ذلك لكونه مأمورا . ثم لو كان فعله طاعة لكونه مأمورا ، لكان تركه معصية لكونه مأمورا . ولذلك يقال أمر فعصى .
ومنه قول الشاعر : ( أمرتك أمرا جازما فعصيتني ) وليس كذلك بالاجماع .
ويدل على أنه غير مأمور قوله عليه السلام : لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة وقوله عليه السلام لبريرة وقد عتقت تحت عبد : لو راجعتيه فقالت : بأمرك يا رسول الله فقال : لا ، إنما أنا شافع نفى الامر في الصورتين مع أن الفعل فيهما مندوب . فدل على أن المندوب ليس مأمورا .