الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٨٤ - أفعال النبي صلى الله عليه وسلم
وعن الشبهة الأولى : من المعقول ، فقد قيل في دفعها إن الاحتياط إنما يمكن أن يقال به إذا خلا عن احتمال الضرر قطعا ، وفيما نحن فيه يحتمل أن يكون الفعل حراما على الأمة ، وهو غير صحيح ، فإنه لو غم الهلال ليلة الثلاثين من رمضان ، فإنه يحتمل أن يكون يوم الثلاثين منه يوم العيد ، واحتمل أن لا يكون يوم العيد .
ومع ذلك يجب صومه احتياطا للواجب ، وإن احتمل أن يكون حراما لكونه من يوم العيد .
والحق في ذلك أن يقال إنما يكون الاحتياط أولى لما ثبت وجوبه ، كالصلاة الفائتة من صلوات يوم وليلة ، أو كان الأصل وجوبه ، كما في صوم يوم الثلاثين من رمضان ، إذا كانت ليلته مغيمة .
وأما ما عساه أن يكون واجبا وغير واجب ، فلا . وما نحن فيه كذلك ، حيث لم يتحقق وجوب الفعل ، ولا الأصل وجوبه .
وعن الشبهة الثانية : لا نسلم أن الاتيان بمثل ما يفعله العظيم يكون تعظيما له وأن تركه يكون إهانة له وحطا من قدره ، بل ربما كان تعاطي الأدنى لمساواته الاعلى فعله حطا من منزلته ، وغضا من منصبه . ولهذا ، يقبح من العبد الجلوس على سرير سيده في مرتبته ، والركوب على مركبه ، ولو فعل ذلك ، استحق اللوم والتوبيخ . ثم لو كانت متابعة النبي في أفعاله موجبة لتعظيمه ، وترك المتابعة موجبة لاهانته ، لوجب متابعته عندما إذا ترك بعض ما تعبدنا به من العبادات ، ولم يعلم سبب تركه ، وهو خلاف الاجماع .
وعن الشبهة الثالثة : إنه لا يلزم من كون الفعل بيانا للقول أن يكون موجبا لما يوجبه القول . فإن الخطاب القولي يستدعي وجوب الجواب ، ولا كذلك الفعل .
وعن الشبهة الرابعة : أن فعل النبي عليه السلام ، وإن كان حقا وصوابا بالنسبة إليه ، فلا يلزم أن يكون حقا وصوابا بالنسبة إلى أمته . إلا أن يكون فعله مما يوجب مشاركتهم له في ذلك الفعل . وهو محل النزاع .