الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٥٦ - هل يعلم المكلف انه مكلف قبل التمكن من الامتثال
فإن قيل : لا خفاء بأن تعليق الامر على شرط معلوم الوقوع ، وسواء كان وقوعه حاليا ، كما إذا قال : صم إن كان الله موجودا ، أو ماليا ، كما إذا قال : صم إن صعدت الشمس غدا .
أو معلوم الانتفاء ، كما إذا قال : صم إن اجتمع الضدان ، وهو محال بل الأول أمر جازم غير مشروط .
كيف وإنه يمتنع تعليق الامر بشرط مستقبل ، لان الشرط لا بد وأن يكون حاصلا مع المشروط أو قبله . والثاني ، وإن كان فيه صيغة افعل ، فليس بأمر لما فيه من التكليف بما لا يطاق ، والباري تعالى عالم بعواقب الأمور . فإن كان عالما بتمكن العبد مما كلف به ، وأنه سيأتي به فهو أمر جزم لا شرط فيه ، وإن كان عالما بعدم تمكنه مما قيل له افعله ، أو لا تفعله ، فلا يكون ذلك أمرا ولا نهيا . وإذا كان كذلك ، فالامر والنهي قبل التمكن من الامتثال لا يكون معلوما للعبد ، لتجويزه عدم الشرط ، وهو التمكن في علم الله تعالى .
وعلى هذا ، فيجب حمل الاجماع فيما ذكرتموه على ظن الامر ، بناء على أن الغالب من المكلف بقاؤه وتمكنه ، لا على يقين الامر والعلم به .
قلنا : أما امتناع تعليق الامر بشرط معلوم الوقوع أو الانتفاء عند المأمور ، فلا نزاع فيه إلا على رأي من يجوز تكليف ما لا يطاق ، وإنما النزاع إذا كان ذلك معلوما للآمر دون المأمور . فإنه لا يبعد أمر السيد لعبده بفعل شئ في الغد ، مع علمه برفع ذلك في الغد عنه ، استصلاحا للعبد باستعداده في الحال للقيام بأمر سيده ، واشتغاله بذلك عن معاصيه ، أو امتحانه بما يظهر عليه من أمارات البشر والكراهة ، حتى يثيبه على هذا ، ويعاقبه على هذا ، لا لقصد الاتيان بما أمره به ، أم الانتهاء عما نهاه عنه . ولا يكون ذلك من باب التكليف بما لا يطاق . وإذا كان ذلك معقولا مفيدا ، أمكن مثله في أمر الباري تعالى .
قولهم إن شرط الامر لا يكون متأخرا عنه ، مسلم ، لما فيه من استحالة وجود المشروط بدون شرطه ، غير أن الشرط المتأخر عن الامر ، وهو التمكن من الفعل ،