الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٧٦ - مبدأ اللغات وطرق معرفتها
يوقف عليها من بعده . واصطلح أولاده من بعده على هذه اللغات ، والكلام إنما هو في هذه اللغات .
وأما قول الملائكة : * ( لا علم لنا إلا ما علمتنا ) * ( ٢ ) البقرة : ٣١ ) فلا يدل على أن أصل اللغات التوقيف لما عرف في حق آدم .
وقوله تعالى : * ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) * ( ٦ ) الانعام : ٣٨ ) فالمراد به أن ما ورد في الكتاب لا تفريط فيه ، وإن كان المراد به أنه بين فيه كل شئ ، فلا منافاة بينه وبين كونه معرفا للغات من تقدم .
وعلى هذا يخرج الجواب عن قوله تعالى : * ( تبيانا لكل شئ ) * ( ١٦ ) النحل : ٨٩ ) وعن قوله :
* ( علم الانسان ما لم يعلم ) * ( ٩٦ ) العلق : ٥ ) .
وأما آية الذم فالذم فيها ، إنما كان على إطلاقهم أسماء الأصنام مع اعتقادهم كونها آلهة .
وأما آية اختلاف الألسنة ، فهي غير محمولة على نفس الجارحة بالاجماع ، فلا بد من التأويل .
وليس تأويلها بالحمل على اللغات أولى من تأويلها بالحمل على الاقدار على اللغات ، كيف وإن التوقيف يتوقف على معرفة كون تلك الألفاظ دالة على تلك المعاني . وذلك لا يعرف إلا بأمر خارج عن تلك الألفاظ ، والكلام فيه إن كان توقيفيا كالكلام في الأول وهو تسلسل ممتنع ، فلم يبق غير الاصطلاح .
ثم ما ذكرتموه معارض بقوله تعالى : * ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ) * ( ٤ ) إبراهيم : ٤ ) .
وذلك يدل على سبق اللغات على البعثة .
والجواب : قولهم : المراد من تعليم آدم إلهامه بالوضع والاصطلاح مع نفسه ، وهو خلاف الظاهر من إطلاق لفظ التعليم . ولهذا فإن من اخترع أمرا ، واصطلح عليه مع نفسه ، يصح أن يقال إنه ما علمه أحد ذلك ، ولو كان إطلاق التعليم بمعنى الالهام بما يفعله الانسان مع نفسه حقيقة ، لما صح نفيه . وحيث صح نفيه ، دل