الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٨٨ - اقرار النبي صلى الله عليه وسلم لفعل غيره
يكون معينا أو مبهما : القول بالتعيين ممتنع لعدم دلالة اللفظ عليه ، والقول بالابهام ممتنع ، لأنه على خلاف الغالب من خطاب الشرع ، ولكونه أبعد إظهار شرف النبي ، عليه السلام . فلم يبق إلا أن يكون في جميع الأشياء . وإذا قال : لك أسوة في فلان في جميع الأشياء فهو مفيد للتأكيد ، ولي تكرارا خليا عن الفائدة وإذا قال : لك أسوة في فلان في هذا الشئ دون غيره فلا يكون مناقضة ، لان العموم إنما هو مستفاد من التأسي والمتابعة المطلقة وهذا ليس بمطلق ، بل الكل جملة واحدة مفيدة لشئ معين .
وأما ما ذكروه على الاجماع ، فهو خلاف المشهور المأثور عنهم عند اتفاقهم بعد اختلافهم في التمسك بأفعال النبي ، عليه السلام ، والرجوع إليها وسؤال زوجاته ، والبحث عن أفعاله في ذلك ، وسكون أنفسهم إليها ، والاعتماد عليها ، واحتجاج بعضهم على بعض بها . ولو كان ثم دليل يدل على المتابعة والتأسي غير النظر إلى أفعاله ، لبادروا إليه من غير توقف على البحث عن فعله ، عليه السلام ، وعلى ما ذكرناه في فعله ، يكون الحكم في تركه .
المسألة الثالثة إذا فعل واحد بين يدي النبي عليه السلام فعلا أو في عصره ، وهو عالم به قادر على إنكاره ، فسكت عنه وقرره عليه من غير نكير عليه ، فلا يخلو إما أن يكون النبي عليه السلام ، قد عرف قبح ذلك الفعل وتحريمه من قبل ، أو لم يكن كذلك .
فإن كان الأول ، فإما أن يكون قد علم إصرار ذلك الفاعل على فعله ، وعلم من النبي ، عليه السلام ، الاصرار على قبح ذلك الفعل وتحريمه ، كاختلاف أهل الذمة إلى كنائسهم ، أو لم يكن كذلك .
فإن كان الأول ، فالسكوت عنه لا يدل على جوازه وإباحته إجماعا ، ولا يوهم كونه منسوخا .
وإن كان الثاني ، فالسكوت عنه وتقريره له من غير إنكار يدل على نسخه