الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٣٦ - هل يدخل المباح في مسمى الواجب
فإن قيل : ما ذكرتموه من إحالة طلب الجمع بين الضدين بناء على عدم تصوره في نفس الطالب غير صحيح ، وذلك لأنه لو لم يكن متصورا في نفس الطالب ، لما علم إحالته ، فإن العلم بصفة الشئ فرع تصور ذلك الشئ ، واللازم ممتنع ، وإن سلم دلالة ما ذكرتموه ، إلا أنه معارض بما يدل على جواز التكليف بالجمع بين الضدين ووقوعه شرعا . وبيانه قوله تعالى لنوح : * ( إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) * ( ١ ) هود : ٣٦ ) أخبر أنه لا يؤمن غير من لم يؤمن ، مع أنهم كانوا مكلفين بتصديقه فيما يخبر به ، ومن ضرورة ذلك تكليفهم بأن لا يصدقوه تصديقا له في خبره أنهم لا يؤمنون .
وأيضا فإن الله تعالى كلف أبا لهب بتصديق النبي عليه السلام في أخباره . ومن أخبار النبي عليه السلام ، أن أبا لهب لا يصدقه لاخبار الله تعالى لنبيه بذلك ، فقد كلفه بتصديقه في إخباره بعدم تصديقه له وفي ذلك تكليفه بتصديقه وعدم تصديقه ، وهو تكليف بالجمع بين الضدين .
قلنا : أما الاشكال الأول ، فمندفع . وذلك لان الجمع المعلوم المتصور المحكوم بنفيه عن الضدين إنما هو الجمع المعلوم بين المختلفات ، التي ليست متضادة ، ولا يلزم من تصوره منفيا عن الضدين تصوره ثابتا لهما ، وهو دقيق فليتأمل وما ذكروه من المعارضة . فلا نسلم وجود الاخبار بعدم الايمان في الآيتين مطلقا .
أما في قصة أبي لهب ، فغاية ما ورد فيه قوله تعالى : * ( سيصلى نارا ذات لهب ) * ( ١١١ ) المسد : ٣ ) وليس في ذلك ما يدل على الاخبار بعدم تصديقه للنبي مطلقا ، فإنه لا يمتنع تعذيب المؤمن ، وبتقدير امتناع ذلك ، أمكن حمل قوله تعالى : * ( سيصلى نارا ذات لهب ) * ( ١١١ ) المسد : ٣ ) على تقدير عدم إيمانه .
وكذلك التأويل في قوله تعالى : * ( إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) * ( ١١ ) هود : ٣٦ ) أي بتقدير عدم هداية الله تعالى لهم إلى ذلك . وذلك لا يدل على الاخبار بعدم الايمان مطلقا ، وإن سلمنا ذلك ، ولكن لا نسلم أنهم كلفوا بتصديق النبي عليه السلام فيما أخبر من عدم تصديقهم بتكذيبه . وهذا مما اتفق عليه نفاة التكليف بالجمع بين الضدين .