الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٣٧ - هل يدخل المباح في مسمى الواجب
وأما الطرف الثاني : وهو بيان جواز التكليف بالمستحيل لغيره ، فقد احتج الأصحاب عليه بالنص والمعقول :
أما النص ، فقوله تعالى : * ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) * ( ٢ ) البقرة : ٢٨٦ ) سألوا دفع التكليف بما لا يطاق . ولو كان ذلك ممتنعا ، لكان مندفعا بنفسه ، ولم يكن إلى سؤال دفعه عنهم حاجة .
فإن قيل إنما يمكن حمل الآية على سؤال دفع ما لا يطاق أن لو كان ذلك ممكنا ، وإلا لتعذر السؤال بدفع ما لا إمكان لوقوعه ، كما ذكرتموه ، وإمكانه متوقف على كون الآية ظاهرة فيه فيكون دورا ، سلمنا كونها ظاهرة فيما ذكرتموه ، ولكن أمكن تأويلها بالحمل على سؤال دفع ما فيه مشقة على النفس ، وإن كان مما يطاق ويجب الحمل عليه لموافقته لما سنذكره من الدليل بعد هذا ، سلمنا إرادة دفع ما لا يطاق ، لكنه حكاية حال الداعين ، ولا حجة فيه ، سلمنا صحة الاحتجاج بقول الداعين ، لكن لا يخلو إما أن يقال بأن جميع التكاليف غير مطاقة ، أو البعض دون البعض . الأول ، يوجب إبطال فائدة تخصيصهم بذكر ما لا يطاق ، بل كان الواجب أيقال لا يكلفنا . وإن كان الثاني ، فهو خلاف أصلكم ، سلمنا دلالة ما ذكرتموه ، لكنه معارض بقوله تعالى : * ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) * ( ٢ ) البقرة : ٢٨٦ ) وهو صريح في الباب . وقوله تعالى : * ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * ( ٢٢ ) الحج : ٨٧ ) ولا حرج أشد من التكليف بما لا يطاق .
والجواب - عن السؤال الأول : أن الآية بوضعها ظاهرة فيما لا يطاق ، فيجب تقدير إمكان التكليف به ضرورة حمل الآية على ما هي ظاهرة فيه ، حذرا من التأويل من غير دليل .
وعن الثاني : أنه ترك الظاهر من غير دليل .