الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٠٩ - الإجماع حجة شرعية لها قوة النصوص
كيف وأن الآية دالة على الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين وعندهم التوعد إنما هو بسبب اتباع غير سبيل الامام وحده دون غيره ، وهو خلاف الظاهر .
قولهم سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين ، لكن إذا علم أنهم مؤمنون ، قلنا : المقصود من الآية إنما هو الحث على متابعة سبيل المؤمنين والزجر عن مخالفته ، فإن كان سبيلهم معلوما ، فلا إشكال ، وإن لم يكن معلوما ، فالتكليف باتباع ما لا يكون معلوما إما أن لا يكتفى فيه بالظن ، أو يكتفى فيه بالظن . فإن كان الأول ، فهو تكليف بما لا يطاق ، وهو خلاف الأصل ، وإن كان الثاني ، فهو المطلوب .
وأما ما ذكروه من المعارضة بالآية الأولى ، فليس في بيان كون الاجماع حجة متبعة بالآية التي ذكرها ما ينافي كون الكتاب تبيانا لكل شئ ، وأصلا له وأما الآية الثانية فهي دليل عليهم لأنها دليل على وجوب الرد إلى الله والرسول في كل متنازع فيه ، وكون الاجماع حجة متبعة مما وقع النزاع فيه . وقد رددناه إلى الله تعالى ، حيث أثبتناه بالقرآن . وهم مخالفون في ذلك .
وأما الآية الثالثة والرابعة فلا نسلم أن النهي فيهما راجع إلى اجتماع الأمة على ما نهوا عنه ، بل هو راجع إلى كل واحد على انفراده ، ولا يلزم من جواز المعصية على كل واحد جوازها على الجملة .
سلمنا أن النهي لجملة الأمة عن الاجتماع على المعصية ، ولكن غاية ذلك جواز وقوعها منهم عقلا . ولا يلزم من الجواز الوقوع . ولهذا فإن النبي عليه السلام قد نهي عن أن يكون من الجاهلين بقوله تعالى : * ( ولا تكن من الجاهلين ) * ( ٦ ) الانعام : ٣٥ ) وقال تعالى لنبيه : * ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) * ( ٣٩ ) الزمر : ٦٥ ) إذ ورد ذلك في معرض النهي مع العلم بكونه معصوما من ذلك .