الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٠ - الحقيقة والمجاز وأقسامهما
وأما التعبير بلفظ الأسد عن الانسان تعظيما له ، فليس لتقدير مسمى الأسد الحقيقي فيه ، بل لمشاركته له في صفته من الشجاعة . والحقيقة العرفية وإن كانت حقيقة بالنظر إلى تواضع أهل العرف عليها ، فلا تخرج عن كونها مجازا بالنسبة إلى استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولا ، ولا تناقض ، وإذا عرف معنى الحقيقة والمجاز ، فمهما ورد لفظ في معنى ، وتردد بين القسمين ، فقد يعرف كونه حقيقة ومجازا بالنقل عن أهل اللغة ، وإن لم يكن نقل فقد يعرف كونه مجازا بصحة نفيه في نفس الامر ويعرف كونه حقيقة بعدم ذلك . ولهذا فإنه يصح أن يقال لمن سمي من الناس حمارا لبلادته ، إنه ليس بحمار ، ولا يصح أن يقال إنه ليس بإنسان في نفس الامر لما كان حقيقة فيه .
ومنها أن يكون المدلول مما يتبادر إلى الفهم من إطلاق اللفظ من غير قرينة ، مع عدم العلم بكونه مجازا ، بخلاف غيره من المدلولات ، فالمتبادر إلى الفهم هو الحقيقة ، وغيره هو المجاز .
فإن قيل هذا لا يطرد في المجاز المنقول ، حيث إنه يسبق إلى الفهم من اللفظ دون حقيقته ، فالامر فيهما بالضد مما ذكرتموه وينتقض أيضا باللفظ المشترك ، فأنه حقيقة في مدلولاته ، مع عدم تبادر شئ منها إلى الفهم عند إطلاقه .
قلنا : أما الأول فمندفع . وذلك لان اللفظ الوارد ، إذا تبادر مدلوله إلى الذهن عند إطلاقه ، فإن علم كونه مجازا فهو غير وارد على ما ذكرناه ، وإن لم يعلم ، فالظاهر أنه يكون حقيقة فيه ، لاختصاص ذلك بالحقيقة في الغالب ، وإدراج النادر تحت الغالب أولى . وأما اللفظ المشترك فإن قلنا إنه عام في جميع محامله ، فقد اندفع الاشكال . وإن قلنا إنه لا يتناول إلا واحدا من مدلولاته على طريق البدل ، فهو