الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٤٨ - جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه
احتج المتكلمون بأن ممتثل التكليف مطيع ، والطاعة حسنة ، والحسنة مستلزمة للثواب ، على ما قال تعالى : * ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) * ( ٦ ) الانعام : ١٦٠ ) وقال تعالى : * ( ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) * ( ٥٣ ) النجم : ٣١ ) ولا فعل ، عدم محض ، وليس بشئ ، وما ليس بشئ لا يكون من كسب العبد ، ولا متعلق القدرة ، وما لا يكون من كسب العبد ، لا يكون مثابا عليه ، لقوله تعالى : * ( وأن ليس للانسان إلا ما سعى ) * .
فإن قيل عدم الفعل ، وإن لم يكن أمرا وجوديا ولا ذاتا ثابتة ، فإنما يمتنع التكليف به ، ويمتنع أن يكون الامتثال به طاعة وحسنة مثابا عليها أن لو لم يكن مقدورا للعبد ومكتسبا له ، وهو غير مسلم ، كما قاله القاضي أبو بكر في أحد قوليه . قال المتكلمون ، عدم الفعل من حيث هو كذلك متحقق قبل قدرة العبد ، وهو غير مقدور للعبد ، قبل خلق قدرته ، وهو مستمر إلى ما بعد خلق القدرة ، فلا يكون مقدورا للعبد ، ولا مكتسبا له ، ويلزم من ذلك امتناع التكليف به على ما تقرر . إلا أن للخصم أن يقول : لا يلزم من كون عدم الفعل السابق على خلق القدرة غير مقدور أن يكون المقارن منه للقدرة غير مقدور .
المسألة الرابعة اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه سوى شذوذ من أصحابنا ، وعلى امتناعه بعد حدوث الفعل ، واختلفوا في جواز تعلقه به في أول زمان حدوثه : فأثبته أصحابنا . ونفاه المعتزلة .
احتج أصحابنا بأن الفعل في أول زمان حدوثه مقدور بالاتفاق وسواء قيل بتقدم القدرة عليه ، كما هو مذهب المعتزلة أم بوجودها مع وجوده ، كما هو مذهب أصحابنا . وإذا كان مقدورا أمكن تعلق التكليف به .