آيات الأحكام - الأسترآبادي، محمد بن علي - الصفحة ١٣٦ - سورة البقرة(٢) آية ١٤٢
النوع الثاني في القبلة. و فيها آيات:
الأول [سيقول السّفهاء ما وليّهم عن قبلتهم.]
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. (البقرة: ١٤٢) «سَيَقُولُالسُّفَهاءُ» الخفاف الأحلام من الناس، قيل هم اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة، و أنّهم لا يرون النسخ. عن ابن عباس، إنّ قوما من اليهود قالوا يا محمّد ما ولّاك عن قبلتك ارجع إليها نتبعك و نؤمن بك، و أرادوا بذلك فتنته صلّى اللّه عليه و آله، و قيل: المنافقون لحرصهم على الطعن و الاستهزاء، و قيل المشركون قالوا رغب عن قبلة آبائه ثمّ رجع إليها، و اللّه ليرجعنّ إلى دينهم و قيل: يريد المنكرين لتغيير القبلة من هؤلاء جميعا.
«ماوَلَّاهُمْ» صرفهم «عَنْقِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها» يعني البيت المقدس، القبلة كالجلسة في الأصل للحال الّتي عليها الإنسان من الاستقبال، ثمّ صارت لما يستقبله في الصلاة و نحوها، و فائدة الاخبار به قبل وقوعه كما هو صريح حرف الاستقبال أنّ مفاجاة المكروه أشدّ، و العلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب، إذا وقع، لما يتقدمه من توطين النفس، و أن يستعدّ للجواب، فان الجواب العتيد قبل الحاجة إليه، أقطع للخصم، و أردّ لشغبه، و قبل الرمي يراش السهم.
بل ربما كان علم الخصم بمعرفة ذلك منهم، و استعدادهم للجواب رافعا لاهتمامه.
على أنه سبحانه ضمّن هذا الاخبار من حقارة الخصوم، و سخافة عقولهم و كلامهم ما فيه تسلية عظيمة، و علّم الجواب المناسب و قارنه بألطاف عظيمة، و في كلّ ذلك تأييد و تعظيم له و للمسلمين، و حفظ لهم من الاضطراب و ملاقاة المكروه.
«قُلْلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ» له الأرض و البلاد و العباد فيفعل فيها ما يشاء و يحكم ما يريد، على مقتضى الحكمة و وفق المصلحة و انّما على العباد الانقياد و الاتّباع