الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٨ - قاتل العجم يوم أرماث بعد أن أطلقته امرأة بن أبي وقاص
إذا قمت عنّاني الحديد و غلّقت
مصاريع من دوني تصمّ المناديا
و قد كنت ذا مال كثير و إخوة
فقد تركوني واحدا لا أخاليا
و قد شفّ جسمي أنّني كلّ شارق
أعالج كبلا مصمتا قد برانيا [١]
فللّه درّي يوم أترك موثقا
و تذهل عنّي أسرتي و رجاليا
حبيسا عن الحرب العوان و قد بدت
و إعمال غيري يوم ذاك العواليا
و للّه عهد لا أخيس بعهده
لئن فرجت ألّا أزور الحوانيا [٢]
فقالت له سلمى: إني قد استخرت اللّه و رضيت بعهدك، فأطلقته و قالت: أمّا الفرس فلا أعيرها، و رجعت إلى بيتها، فاقتادها أبو محجن و أخرجها من باب القصر الّذي يلي الخندق، فركبها ثم دبّ عليها، حتى إذا كان بحيال الميمنة، و أضاء النّهار، و تصافّ النّاس، كبّر، ثم حمل على ميسرة القوم فلعب برمحه و سلاحه/ بين الصّفّين، ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب فبدر [٣] أمام الناس، فحمل على القوم فلعب بين الصّفّين برمحه و سلاحه، و كان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا؛ فعجب الناس منه و هم لا يعرفونه و لم يروه بالأمس، فقال بعض القوم: هذا من أوائل أصحاب هشام بن عتبة أو هشام بنفسه. و قال قوم: إن كان الخضر يشهد الحروب فهو صاحب البلقاء. و قال آخرون: لو لا أنّ الملائكة لا تباشر القتال ظاهرا لقلنا هذا ملاك بيننا؛ و جعل سعد يقول- و هو مشرف ينظر إليه-: الطّعن طعن أبي محجن، و الضّبر ضبر البلقاء [٤]. و لو لا محبس أبي محجن لقلت: هذا أبو محجن و هذه البلقاء، فلم يزل يقاتل حتى انتصف الليل، فتحاجز أهل العسكرين و أقبل أبو محجن حتى دخل القصر، و وضع عن نفسه و دابّته، و أعاد رجليه في القيد، و أنشأ يقول:
لقد علمت ثقيف غير فخر
بأنّا نحن أكرمهم سيوفا
و أكثرهم دروعا سابغات
و أصبرهم إذا كرهوا الوقوفا
و أنّا رفدهم في كلّ يوم
فإن جحدوا فسل بهم عريفا [٥]
و ليلة قادس لم يشعروا بي
و لم أكره بمخرجي الزّحوفا
فإن أحبس فقد عرفوا بلائي
و إن أطلق أجرّعهم حتوفا [٦]
فقالت له سلمى: يا أبا محجن؛ في أيّ شيء حبسك هذا الرّجل؟ فقال: أما و اللّه ما حبسني بحرام أكلته و لا
[١] الشارق: الشمس حين تشرق، و الكبل: القيد.
[٢] لا أخيس بالعهد: لا أنقضه. و الحواني: الخمارات.
[٣] في تاريخ الطبري ٣- ٥٤٨ ط. المعارف «فندر أمام الناس»، أي تقدم.
[٤] الضبر: جمع القوائم و الوثب.
[٥] في تاريخ الطبري ٣- ٥٤٩ ط. المعارف:
و أنا وفدهم في كل يوم
فإن عميوا فسل بهم عريفا
[٦] في تاريخ الطبري ٣- ٥٤٩ ط. المعارف:
فإن أحبس فذلكم بلائي
و إن أترك أذيقهم الحتوفا