الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢ - عمر بن الخطاب يحده و جماعة من أصحابه في شربهم الخمر
و قد أجود و ما لي بذي فنع
و قد أكرّ وراء المحجر البرق [١]
و القوم أعلم أني من سراتهم
إذا سما بصر الرّعديدة الشّفق [٢]
قد يعسر المرء حينا و هو ذو كرم
و قد يثوب [٣] سوام العاجز الحمق
سيكثر المال يوما بعد قلّته
و يكتسي العود بعد اليبس بالورق
فقال معاوية: لئن كنا أسأنا لك القول لنحسننّ لك الصّفد [٤]، ثم أجزل جائزته و قال: إذا ولدت النّساء فلتلد مثلك!.
عمر بن الخطاب يحده و جماعة من أصحابه في شربهم الخمر
أخبرني الحسن بن عليّ و عيسى بن الحسين الورّاق، قالا: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدثني صالح بن عبد الرّحمن الهاشميّ، عن العمريّ، عن العتبيّ، قال: أتي عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بجماعة فيهم أبو محجن الثقفيّ و قد شربوا الخمر، فقال: أ شربتم الخمر بعد أن حرّمها اللّه و رسوله، فقالوا: ما حرّمها اللّه و لا رسوله؛ إن اللّه تعالى يقول:/ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ [٥]؛ فقال عمر لأصحابه: ما ترون فيهم؟ فاختلفوا فيهم فبعث إلى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فشاوره؛ فقال عليّ: إن كانت هذه الآية كما يقولون فينبغي أن يستحلّوا الميتة و الدّم و لحم الخنزير؛ فسكتوا، فقال عمر لعليّ: ما ترى فيهم؟ قال: أرى إن كانوا شربوها مستحلّين لها أن يقتلوا، و إن كانوا شربوها و هم يؤمنون أنها حرام أن يحدّوا، فسألهم؛ فقالوا: و اللّه ما شككنا في أنها حرام، و لكنا قدّرنا أن لنا نجاة فيما قلناه، فجعل يحدّهم رجلا رجلا، و هم يخرجون حتى انتهى إلى أبي محجن، فلما جلده أنشأ يقول:
أ لم تر أنّ الدهر يعثر بالفتى
و لا يستطيع المرء صرف المقادر
صبرت [٦] فلم أجزع و لم أك كائعا
لحادث دهر في الحكومة جائر
و إني لذو صبر و قد مات إخوتي
و لست عن الصهباء يوما بصابر
رماها أمير المؤمنين بحتفها
فخلّانها يبكون حول المعاصر
فلما سمع عمر قوله:
و لست عن الصّهباء يوما بصابر
قال: قد أبديت ما في نفسك و لأزيدنّك عقوبة لإصرارك على شرب الخمر؛ فقال له عليّ عليه السّلام:
ما ذلك لك، و ما يجوز أن تعاقب رجلا قال: لأفعلنّ و هو لم يفعل، و قد قال اللّه في سورة الشعراء: وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
[١] في ما، ف «و قد أكر وراء المحجر الفرق». و الفنع: الكثرة، و المحجر: المغطى المستور. و البرق: الدهش المتحير حتى لا يطرف.
[٢] في الشعر و الشعراء- ٣٨٨ ط. الحلبي، و الخزانة ٣- ٥٥٥:
«إذا تطيش يد الرعديدة الفرق»
. و الرعديدة: الجبان يرعد عند القتال.
[٣] يثوب: يجتمع. و في شرح شواهد المغني- ٣٨:
« قد يثوب الغنى للحاجز الحمق»
. [٤] الصفد: العطاء.
[٥] سورة المائدة، الآية: ٩٣.
[٦] في ف، ما «ضربت» بدل «صبرت». و الكائع: الجبان الهياب.