الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦١ - من مدائحه للمأمون
اليوم أظهرت الدّنيا محاسنها
للنّاس لما التقى المأمون و الحسن
قال: فلما جلسا سأله المأمون عنه فقال: هذا رجل من حمير، شاعر مطبوع، اتصل بي متوسلا إلى أمير المؤمنين و طالبا الوصول مع نظرائه، فأمر المأمون بإيصاله مع الشعراء، فلما وقف بين يديه، و أذن له في الإنشاد، أنشده قوله:
طلان طال عليهما الأمد
دثرا فلا علم و لا نضد
/ لبسا البلى فكأنّما وجدا
بعد الأحبّة مثل ما أجد
حيّيتما طللين، حالهما
بعد الأحبّة غير ما عهدوا
إمّا طواك [١] سلوّ غانية
فهواك لا ملل و لا فند
إن كنت صادقة الهوى فردي
في الحبّ منهلي [٢] الّذي أرد
أدمي هرقت و أنت آمنة
أم ليس لي عقل و لا قود [٣]؟
إن كنت فتّ و خانني سبب
فلربّما يخطئ [٤] مجتهد
حتى انتهى إلى قوله في مدح المأمون:
يا خير منتسب لمكرمة
في المجد حيث تبحبح [٥] العدد
في كل أنملة لراحته
نوء يسحّ و عارض حشد [٦]
/ و إذا القنا رعفت أسنّته
علقا و صمّ كعوبها قصد [٧]
فكأنّ ضوء جبينه قمر
و كأنّه في صولة أسد
و كأنّه روح تدبّرنا
حركاته و كأنّنا جسد
المأمون يستشير فيه الحسن بن سهل ثم يلحقه بجوائز مروان بن أبي حفصة
فاستحسنها المأمون و قال لأبي محمد: احتكم له، فقال: أمير المؤمنين أولى بالحكم، و لكن إن أذن لي في المسألة سألت له، فأما الحكم فلا، فقال: سل، فقال: يلحقه بجوائز مروان بن أبي حفصة، فقال: ذلك و اللّه أردت، و أمر بأن تعدّ أبيات قصيدته و يعطى لكل بيت ألف درهم، فعدّت فكانت خمسين، فأعطي خمسين ألف درهم.
من مدائحه للمأمون
قال الأصبهانيّ: و له في المأمون و الحسن بن سهل خاصة مدائح شريفة نادرة، من عيونها قوله في المأمون في قصيدة أولها:
[١] في ف «إن ماطلوك».
[٢] في مد «منهلنا». و في المختار و معاهد التنصيص «منهله».
[٣] لا عقل و لا قود أي لا دية و لا قصاص.
[٤] مد، ف:
«فلربما لم يحظ مجتهد»
. [٥] في ب، المختار:
«حيث ينتج العدد»
. [٦] النوء: المطر. و العارض: السحاب المعترض في الأفق. و حشد: لا ينقطع ماؤه.
[٧] العلق: القطعة من العلق للدم، و الرمح الأصم: الصلب المتين، و القصد: جمع قصدة؛ و هي القطعة مما يكسر.