الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧٥ - سبب غضب بشار عليه ثم رضاه عنه
قالوا حرام تلاقينا فقلت لهم
ما في التّلاقي و لا في غيره حرج
من راقب الناس لم يظفر بحاجته
و فاز بالطيّبات الفاتك اللهج [١]
قال: فقال سلم الخاسر أبياتا، ثم أخذ معنى هذا البيت، فسلخه، و جعله في قوله:
من راقب الناس مات غمّا
و فاز باللذة الجسور
سبب غضب بشار عليه ثم رضاه عنه
فبلغ بيته بشارا، فغضب و استشاط، و حلف ألا يدخل إليه، و لا يفيده و لا ينفعه ما دام حيّا. فاستشفع إليه بكلّ صديق له، و كلّ من يثقل عليه ردّه، فكلّموه فيه، فقال: أدخلوه إليّ، فأدخلوه إليه فاستدناه، ثم قال: إيه يا سلم، من الّذي يقول:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته
و فاز بالطيّبات الفاتك اللهج
قال: أنت يا أبا معاذ، قد جعلني اللّه فداءك! قال: فمن الّذي يقول:
من راقب الناس مات غمّا
و فاز باللذة الجسور؟
قال: تلميذك، و خرّيجك، و عبدك يا أبا معاذ، فاجتذبه إليه، و قنّعه [٢] بمخصرة [٣] كانت في يده ثلاثا، و هو يقول: لا أعود يا أبا معاذ إلى ما تنكره، و لا آتي شيئا تذمّه، إنما أنا عبدك، و تلميذك، و صنيعتك، و هو يقول له:
يا فاسق! أ تجيء إلى معنى قد سهرت له عيني، و تعب فيه فكري و سبقت الناس إليه، فتسرقه، ثم تختصره لفظا تقرّبه به، لتزري عليّ، و تذهب بيتي؟ و هو يحلف له ألا يعود، و الجماعة يسألونه. فبعد لأي و جهد ما [٤] شفّعهم فيه، و كفّ عن ضربه، ثم رجع له، و رضي عنه.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار [٥]، قال: أخبرني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور، قال: حدّثني عبد الوهاب بن مرّار، قال: حدّثني أبو معاذ النّميريّ راوية بشار، قال:
قد كان بشار قال قصيدة فيها هذا البيت:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته
و فاز بالطيّبات الفاتك اللهج
/ قال: فقلت له يا أبا معاذ! قد قال سلم الخاسر بيتا، هو أحسن و أخفّ على الألسن من بيتك هذا، قال:
و ما هو؟ فقلت:
من راقب الناس مات غمّا
و فاز باللذة الجسور
فقال بشار: ذهب و اللّه بيتنا، أما و اللّه لوددت أنه ينتمي في غير ولاء أبي بكر- رضي اللّه عنه- و أني مغرم [٦]
[١] اللهج بالشيء: المولع به.
[٢] قنعه بالعصا و نحوها: غشاه بها.
[٣] المخصرة: أداة كالسوط.
[٤] ما شفعهم «ما» زائدة.
[٥] ف «محمد بن عبد اللّه بن عمار».
[٦] مغرم: ملزم.