الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٥ - مدح الحسن بن سهل فأطربه و لم يقصد غيره إلى أن مات
و ما زلت أسترعي [١] لك اللّه غائبا
و أظهر إشفاقا عليك و أكتم
و أعلم أنّ الجود ما غبت غائب
و أنّ النّدى في حيث كنت مخيّم [٢]
إلى أن زجرت الطير سعدا سوانحا
و حمّ لقاء بالسّعود و مقدم
و ظلّ يناجيني بمدحك خاطر [٣]
و ليلي ممدود الرّواقين أدهم
و قال: طواه الحجّ فاخشع لفقده
و لا عيش حتى يستهلّ المحرّم
سيفخر ما ضمّ الحطيم و زمزم
بمطّلب لو أنه يتكلّم
و ما خلقت إلا من الجود كفّه
على أنها و البأس خدنان توأم
أعدت إلى أكناف مكة بهجة
خزاعيّة كانت تجلّ و تعظم
ليالي سمّار الحجون إلى الصّفا
خزاعة إذ خلّت لها البيت جرهم
و لو نطقت بطحاؤها و حجونها
و خيف منّى و المأزمان [٤] و زمزم
إذا لدعت [٥] أجزاء جسمك كلها
تنافس في أقسامه لو تحكّم
و لو ردّ مخلوق إلى بدء خلقه
إذا كنت جسما بينهن تقسّم
/ سما بك منها كل خيف فأبطح
نما بك [٦] منه الجوهر المتقدّم
و حنّ إليك الركن حتى كأنّه
و قد جئته خلّ عليك مسلّم
قال: فوصله صلة سنية و أهدى له هدية حسنة من طرف ما قدم به و حمله، و اللّه أعلم.
مدح الحسن بن سهل فأطربه و لم يقصد غيره إلى أن مات
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني الحسن بن الحسن بن رجاء، عن أبيه و أهله،/ قالوا:
كان محمد بن وهيب الحميريّ لمّا قدم المأمون من خراسان مضاعا مطّرحا، إنما يتصدى للعامة و أوساط الكتّاب [٧] و القوّاد بالمديح و يسترفدهم فيحظى باليسير، فلما هدأت الأمور و استقرّت و استوسقت جلس أبو محمد الحسن بن سهل يوما منفردا بأهله و خاصّته و ذوي مودّته و من يقرب من أنسه، فتوسل إليه محمد بن وهيب بأبي حتى أوصله مع الشعراء، فلما انتهى إليه القول استأذن في الإنشاد فأذن له، فأنشده قصيدته الّتي أولها:
ودائع أسرار طوتها السرائر
و باحت بمكتوماتهنّ النّواظر
ملكت بها [٨] طيّ الضمير و تحته
شبالوعة عضب الغرارين باتر
[١] ب «أستدعي» و أسترعي لك اللّه: أطلب منه أن يرعاك.
[٢] ب:
«في حيث أنت مخيم»
. [٣] ب «خاطري».
[٤] المأزمان: موضع بمكة بين المشعر الحرام و مكة.
[٥] ف:
«إذا لادعت ...
تنافس في أحكامها»
. [٦] ف:
«نصابك منه»
. [٧] مي «و أوساط الناس من الكتاب».
[٨] ف:
«تمكن في طي الضمير»
. و في المختار:
«ملكن إلى طي الضمير»