الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠١ - حديثه عن وفاة بنت الحسين بن علي
الناس و بين النعش إلا ذوي قرابتها بالسكينة و الوقار، ثم نام و انتبه و أسرج له، و اجتمع كلّ من كان بالمدينة، و أتى باب عائشة حين أخرج النعش، فلما رأى الناس النعش التقفوه، فلم يملك ابن حزم و لا الحرس منه شيئا، و جعل ابن حزم يركض خلف النعش و يصيح بالناس من السّفلة و الغوغاء: اربعوا أي ارفقوا فلم يسمعوا، حتى بلغ بالنعش القبر، فصلى عليها، ثم وقف على القبر فنادى: من هاهنا من قريش؟ فلم يحضره إلا مروان بن أبان بن عثمان،/ و كان رجلا عظيم البطن بادنا [١] لا يستطيع أن ينثني من بطنه، سخيف [٢] العقل، فطلع و عليه سبعة قمص،/ كأنها درج، بعضها أقصر من بعض و رداء عدنيّ يثمن ألفي درهم، فسلّم و قال له ابن حزم: أنت لعمري قريبها، و لكنّ القبر ضيّق لا يسعك، فقال: أصلح اللّه الأمير إنما تضيق الأخلاق. قال ابن حزم: إنا للّه، ما ظننت أن هذا هكذا كما أرى، فأمر أربعة فأخذوا بضبعه [٣] حتى أدخلوه في القبر، ثم أتى خراء الزّنج، و هو عثمان بن عمرو بن عثمان فقال: السّلام عليك أيها الأمير و رحمة اللّه، ثم قال: وا سيدتاه وا بنت أختاه! فقال ابن حزم: تاللّه لقد كان يبلغني عن هذا أنه مخنّث، فلم أكن أرى أنه بلغ هذا كله، دلّوه فإنه عورة هو و اللّه أحق بالدفن منها، فلما أدخلا قال مروان لخراء الزنج: تنحّ إليك شيئا فقال له خراء الزنج: الحمد للّه رب العالمين، جاء الكلب الإنسيّ يطرد الكلب الوحشيّ، فقال لهما ابن حزم: اسكتا قبّحكما اللّه و عليكما لعنته، أيكما الإنسيّ من الوحشيّ، و اللّه لئن لم تسكتا لآمرنّ بكما تدفنان، ثم جاء خال للجارية من الحاطبيّين و هو ناقة من مرض لو أخذ بعوضة لم يضبطها فقال [٤] أنا خالها و أمي سودة و أمها حفصة، ثم رمى بنفسه في القبر، فأصاب ترقوة خراء الزنج فصاح: أوه [٤] ألح اللّه الأمير دقّ و اللّه عرقوبي، فقال ابن حزم: دق اللّه عرقوبك، و ترقوتك اسكت ويلك، ثم أقبل على أصحابه فقال: ويحكم إني خبّرت أن الجارية بادن، و مروان لا يقدر أن ينثني من بطنه، و خراء الزنج مخنّث لا يعقل سنّة و لا دفنا، و هذا الحاطبيّ لو أخذ عصفورا لم يضبطه لضعفه، فمن يدفن هذه الجارية؟ و اللّه ما أمرتني بهذا بنت المظلوم، فقال له جلساؤه: لا و اللّه ما بالمدينة خلق من قريش، و لو كان في هؤلاء خير لما بقوا، فقال: من هاهنا من مواليهم؟ فإذا أبو هانئ الأعمى و هو ظئر [٥] لها، فقال ابن حزم: من أنت رحمك اللّه؟ قال: أنا أبو هانئ ظئر عبد اللّه بن عمرو بن عثمان و أنا أدفن أحياءهم و أمواتهم، فقال: أنا في طلبك، ادخل رحمك اللّه، فادفن/ هؤلاء الأحياء، حتى يدلّى عليك [٦] الموتى [٧] ثم أقبل على أصحابه فقال: إنا للّه- و هذا أيضا أعمى لا يبصر، فنادوا: من هاهنا من مواليهم [٧] فإذا برجل يزيديّ يقال له أبو موسى قد جاء، فقال له ابن حزم: من أنت أيضا؟ قال: أنا أبو موسى صالمين، و أنا ابن السميط سميطين [٨] و السعيد سعيدين، و الحمد للّه رب العالمين، فقال ابن حزم: و اللّه العظيم لتكونن لهم خامسا، رحمك اللّه يا بنت رسول اللّه، فما اجتمع على جيفة خنزير و لا كلب ما اجتمع على جثتك، فإنا للّه و إنا إليه راجعون، [٩] و أظنه سقط رجل آخر [٩].
[١] ف «عظيم البطن فأفاء».
[٢] رجل سخيف العقل: ناقصه.
[٣] الضبع: ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاها و هما ضبعان.
(٤- ٤). تكملة من ف.
[٥] الظئر: الناقة تعطف على ولد غيرها، و منه قيل للمرأة الأجنبية تحضن ولد غيرها: ظئر و للرجل الحاضن: ظئر أيضا.
[٦] ف «حتى يدلي إليك الموتى».
(٧- ٧). التكملة من ف.
[٨] ف «و أنا ابن أبي السميط سميطين».
(٩- ٩). التكملة من ف.