الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧٨ - كان مع مالك الخزاعي يوم أن قتل فرثاه
أسأت اختياري منك الثّواب [١]
لي الذّنب جهلا و لم تذنب
/ و كتبها في رقعة و بعث بها إليه، فلما قرأها وجّه جماعة من أصحابه في طلبه، و قال لهم: الويل لكم إن فاتكم بكر بن النّطّاح.
اعتذر إليه و أعطاه فمدحه
و لا بد أن تنكفئوا على أثره [٢] و لو صار إلى الجبل، فلحقوه فردّوه إليه، فلما دخل داره و نظر إليه قام فتلقاه و قال: يا أخي، عجلت علينا و ما كنّا نقتصر بك على ما سلف و إنما بعثنا إليك بنفقة، و عوّلنا بك على ما يتلوها، و اعتذر كلّ واحد منهما إلى صاحبه، ثم أعطاه حتى أرضاه، فقال بكر بن النّطّاح يمدحه:
أقول لمرتاد ندى غير مالك
كفى بذل هذا الخلق بعض عداته
فتى جاد بالأموال في كلّ جانب
و أنهبها [٣] في عوده و بداته
فلو خذلت أمواله بذل [٤] كفّه
لقاسم من يرجوه شطر حياته
و لو لم يجد في العمر قسمة ماله [٥]
و جاز له الإعطاء من حسناته
لجاد بها من غير كفر بربّه
و شاركهم في صومه و صلاته
فوصله صلة ثانية لهذه الأبيات، و انصرف عنه راضيا.
هكذا ذكر أبو هفّان في خبره و أحسبه غلطا، لأن أكثر مدائح بكر بن النّطّاح في مالك بن عليّ الخزاعيّ- و كان يتولّى طريق خراسان- و صار إليه بكر بن النّطاح بعد وفاة أبي دلف و مدحه، فأحسن تقبّله و جعله في جنده، و أسنى له الرّزق، فكان معه، إلى أن قتله الشّراة بحلوان، فرثاه بكر بعدّة قصائد هي من غرر شعره و عيونه.
كان مع مالك الخزاعي يوم أن قتل فرثاه
فحدّثني عمّي، قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر، عن أبي وائلة السّدوسيّ، قال:
عاثت الشّراة بالجبل عيثا شديدا، و قتلوا الرجال و النساء و الصّبيان،/ فخرج إليهم مالك بن عليّ الخزاعيّ و قد وردوا حلوان، فقاتلهم قتالا شديدا فهزمهم عنها، و ما زال يتبعهم حتى بلغ بهم قرية يقال لها: حدّان [٦]، فقاتلوه عندها قتالا شديدا، و ثبت الفريقان إلى الليل حتى حجز بينهم، و أصابت مالكا ضربة على رأسه أثبتته [٧]، و علم أنه ميّت، فأمر بردّه إلى حلوان، فما بلغها حتى مات، فدفن على باب حلوان، و بنيت لقبره قبّة على قارعة الطريق، و كان معه بكر بن النّطّاح يومئذ، فأبلى بلاء حسنا، و قال بكر يرثيه:
[١] ب:
«أسأت اختياري فنلت النوى»
. [٢] مي «و لا بد أن تبلغوا في أثره».
[٣] فوات الوفيات ١: ٧٩ «و أوهبها».
[٤] فوات الوفيات «جود كفه».
[٥] فوات الوفيات «قسمة باذل».
[٦] حدّان- بالضم-: إحدى محالّ البصرة القديمة. و في ف «حيداد».
[٧] أثبتته: جعلته ثابتا في مكانه لا يفارقه.