الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١٤ - أشعب يلازم جريرا و يغنيه في شعره
فقالوا: هذا بارد و لا حركة فيه، و لسنا نرضى، فلما رأيت دفعهم إياي و خفت ذهاب ما جعلوه لي رجعت فقلت: يا أبا عمر، آخر، فقال: ما لي و لك؟ فلم أملّكه كلامه حتى غنيت، فقال: ما أرى بأسا، فخرجت إليهم فأعلمتهم فقالوا: و أي شيء غنيته؟ فقلت: غنّيته قوله:
لم يطيقوا أن ينزلوا و نزلنا
و أخو الحرب من أطاق النّزالا
فقالوا: ليس هذا بشيء، فرجعت إليه فقال: مه، قلت: و آخر، فلم أملّكه أمره حتى غنيت:
غيّضن من عبراتهنّ و قلن لي:
ما ذا لقيت من الهوى و لقينا [١]
/ فقال: نهلا نهلا [٢]، فقلت: لا و اللّه إلا بذاك السّداك، و فيه تمر عجوة من صدقة عمر فقال: هو لك، فخرجت به عليهم و أنا أخطر فقالوا: مه، فقلت: غنّيت الشيخ:
غيّضن من عبراتهنّ و قلن لي
................ .....
فطرب و فرض لي فأعطاني هذا، و كذبتهم، و اللّه ما أعطانيه إلا استكفافا حتى صمتّ.
/ قال ابن أبي سعد: السّداك: الزّبيل الكبير. و فرض لي أي نقّطني، يعني ما يهبه الناس للمغنّين و يسمّونه النّقط.
كانت له ألحان مطربة و شهد له معبد
حدّثني الجوهريّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم، قال: حدّثني قعنب بن المحرز، عن الأصمعيّ، قال:
حدّثني جعفر بن سليمان، قال:
قدم أشعب أيام أبي جعفر، فأطاف به فتيان بني هاشم و سألوه أن يغنّيهم فغنّى فإذا ألحانه مطربة [٣] و حلقه على حاله، فقال له جعفر بن المنصور: لمن هذا الشعر و الغناء:
لمن طلل بذات الجي
ش أمسى دارسا خلقا؟
فقال له: أخذت الغناء عن معبد، و هو للدّلال، و لقد كنت آخذ اللحن عن معبد فإذا سئل عنه قال: عليكم بأشعب فإنه أحسن تأدية له مني.
أشعب يلازم جريرا و يغنيه في شعره
أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، عن عبد اللّه بن مصعب، قال:
قدم جرير المدينة، فاجتمع إليه الناس يستنشدونه و يسألونه عن شعره، فينشدهم و يأخذون عنه و ينصرفون، و لزمه أشعب من بينهم فلم يفارقه، فقال له جرير: أراك أطولهم جلوسا و أكثرهم سؤالا، و إني لأظنّك ألأمهم حسبا، فقال له: يا أبا حزرة، أنا و اللّه أنفعهم لك، قال: و كيف ذلك؟ قال: أنا آخذ شعرك فأحسّنه و أجوّده، قال:
[١] البيت لجرير في شرح ديوان جرير ٥٧٨ ط الصاوي، و قبله:
إن الذين غدوا بلبك غادروا
و شلا بعينك ما يزال معينا
[٢] ف، مد «مهلا مهلا». و النهل: ما أكل من الطعام.
[٣] ف «ألحانه طربة».