الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٦٠ - اشترت عمته عساليج ثم وهبتها له
و استحسنّا غناءها و خاطبناها بالاستحسان، و ألحّ عبد اللّه بن العبّاس من بيننا بالاقتراح عليها و المزاح معها و النّظر إليها، فقال له أبو عيسى: عشقتها و حياتي يا عبد اللّه، قال: لا و اللّه/ يا سيّدي و حياتك ما عشقتها، و لكني استحسنت [١] كلّ ما شاهدت منها من منظر و شكل و عقل و عشرة و غناء، فقال له أبو عيسى: فهذا و اللّه هو العشق و سببه، و ربّ جدّ جرّه اللّعب. و شربنا، فلما غلب النّبيذ على عبد اللّه غنّى أهزاجا قديمة و حديثة، و غنّى فيما غنّى بينهما هزجا في شعر قاله فيها لوقته، فما فطن له إلا أبو عيسى و هو:
صوت
نطق السّكر بسرّي فبدا
كم يرى المكتوم يخفى لا يضح
سحر عينيك إذا مارنتا
لم يدع ذا صبوة أو يفتضح
ملكت قلبا [٢] فأمسى غلقا
عندها صبّا بها لم يسترح
بجمال و غناء حسن
جلّ عن أن ينتقيه المقترح
أورث القلب هموما و لقد
كنت مسرورا بمرآه فرح
و لكم مغتبق همّا و قد
بكر [٣] اللّهو بكور المصطبح
- الغناء لعبد اللّه بن العبّاس هزج- فقال له أبو عيسى: فعلتها و اللّه يا عبد اللّه، و طار/ طربا [٤]، و شرب على الصّوت و قال له: صحّ و اللّه قولي لك في عساليج، و أنت تكابرني حتّى فضحك السّكر. فجحد، و قال: هذا غناء كنت أرويه، فحلف أبو عيسى أنه ما قاله و لا غنّاه إلا في يومه، و قال له: احلف بحياتي أنّ الأمر ليس هو كذلك، فلم يفعل، فقال له أبو عيسى: و اللّه لو كانت لي لوهبتها لك، و لكنها لآل يحيى بن معاذ، و اللّه لئن باعوها لأملّكنّك إيّاها و لو بكلّ ما أملك، و و حياتي لتنصرفنّ قبلك إلى منزلك، ثم دعا بحافظتها و خادم [٥] من خدمه، فوجّه بها معهما إلى منزله. و التوى عبد اللّه قليلا و تجلّد، و جاحدنا أمره ثم انصرف.
اشترت عمته عساليج ثم وهبتها له
و اتّصل الأمر بينهما بعد ذلك، فاشترتها عمّته رقيّة بنت الفضل بن الرّبيع من آل يحيى بن معاذ، و كانت عندهم حتى ماتت.
فحدّثني جعفر بن قدامة بن زياد عن بعض شيوخه- سقط عني اسمه- قال: قالت بذل الكبيرة لعبد اللّه بن العبّاس: قد بلغني أنك عشقت جارية يقال لها عساليج فاعرضها عليّ، فإمّا أن عذرتك و إمّا أن عذلتك، فوجّه إليها فحضرت، و قال لبذل: هذه هي يا ستي فانظري و اسمعي، ثم مريني بما شئت أطعك، فأقبلت عليه عساليج و قالت:
يا عبد اللّه أ تشاور فيّ؟ فو اللّه ما شاورت لمّا صاحبتك، فنعرت [٦] بذل و صاحت: إيه، أحسنت و اللّه يا صبيّة، و لو لم
[١] ف «استملحت».
[٢] مي، مد، التجريد «قلبي». و في ف «ملكت كفي».
[٣] ف:
« لكم مقترح هما و قد
باكر ...»
. [٤] ف «و نقر طربا».
[٥] ف «ثم دعا حافظتها و خادما».
[٦] نعرت: صاحت و صوتت بخيشومها.