الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١٢ - يتسور البستان طلبا للطعام
خذها بارك اللّه لك فيها و أذن لي ألمّ بجواريّ، فلما سمعتها ذهب عقلي ثم قلت: يا سيدي، هي سكينة، فاللّه اللّه فيّ. فقال: أو تعلم سكينة الغيب! فلم يزل بي حتى أخذتها و أذنت له، فمضى و بات عند جواريه. فلما أصبحنا رأيت أبيات قوم من العرب قريبة منا، فلبست حلّة وشي كانت لزيد قيمتها ألف دينار، و ركبت فرسه و جئت إلى النساء فسلّمت فرددن، و نسبنني فانتسبت نسب زيد، فحادثنني و أنسن بي. و أقبل رجال الحيّ، و كلما جاء رجل سأل عن نسبي فخبّر به هابني و سلّم عليّ و عظّمني و انصرف، إلى أن أقبل شيخ كبير منكر مبطون، فلما خبّر بي و بنسبي شال حاجبيه عن عينه، ثم نظر إليّ و قال: و أبي ما هذه خلقة قرشيّ و لا شمائله، و ما هو إلا عبد لهم نادّ، و علمت أنه يريد شرّا، فركبت الفرس ثم مضيت، و لحقني فرماني بسهم فما أخطأ قربوس السرج، و ما شككت أنه يلحقني بآخر يقتلني فسلحت- يعلم اللّه- في ثيابي فلوّثها و نفذ إلى الحلّة فصيّرها شهرة [١]، و أتيت رحل زيد بن عمرو فجلست أغسل الحلّة و أجففها، و أقبل زيد بن عمرو، فرأى ما لحق الحلّة و السرج، فقال لي: ما القصة؟
ويلك! فقلت: يا سيدي الصدق أنجى، و حدثته الحديث فاغتاظ ثم قال لي: أ لم يكفك أن تلبس حلتي و تصنع بها ما صنعت، و تركب فرسي و تجلس إلى النساء حتى انتسبت بنسبي و فضحتني، و جعلتني عند العرب ولّاجا جمّاشا [٢]، و جرى عليك ذلّ نسب إليّ، أنا نفيّ من أبي و منسوب إلى أبيك إن لم أسؤك و أبلغ في ذلك.
ثم لقي الخليفة و عاد و دخلنا إلى سكينة، فسألته عن خبره كله فخبرها حتى انتهى إلى ذكر/ جواريه، فقالت:
إيه و ما كان من خبرك في طريقك؟ هل مضيت إلى جواريك بالطائف؟ فقال لها: لا أدري، سلي ثقتك. فدعتني فسألتني، و بدأت فحلفت لها بكل يمين محرجة أنه ما مرّ بالطائف و لا دخلها و لا فارقني، فقال لها: اليمين الّتي حلف بها لازمة لي إن لم أكن دخلت الطائف و بتّ عند جواريّ و غسّلتهن [٣] جميعا، و أخذ مني ثلاثمائة دينار، و فعل كذا و كذا، و حدّثها الحديث كله و أراها الحلّة و السرج، فقالت لي: أ فعلتها يا أشعب! أنا نفيّة من أبي إن أنفقتها إلا فيما يسوؤك، ثم أمرت بكبس [٤] منزلي و إحضارها الدنانير فأحضرت، فاشترت بها خشبا و بيضا و سرجينا، و عملت من الخشب بيتا فحبستني فيه و حلفت ألا أخرج منه و لا أفارقه حتى أحضن البيض كلّه إلى أن ينقب، فمكثت أربعين يوما أحضن لها البيض حتى نقب، و خرج منه فراريج كثيرة فربّتهن و تناسلن فكنّ بالمدينة يسمّين بنات أشعب و نسل أشعب، فهؤلاء إلى الآن بالمدينة نسل يزيد على الألوف، كلهن أهلي و أقاربي.
قال إبراهيم: فضحكت و اللّه من قوله ضحكا ما أذكر أنّي ضحكت مثله قط و وصلته، و لم يزل عندي زمانا حتى خرج إلى المدينة و بلغني أنه مات هناك [٥].
يتسور البستان طلبا للطعام
أخبرني أحمد، قال: حدّثنا مصعب بن عبد اللّه بن عثمان، قال:
قال رجل/ لأشعب: إنّ سالم بن عبد اللّه قد مضى إلى بستان فلان و معه طعام كثير، فبادر حتى لحقه فأغلق
[١] الشهرة: ظهور الشيء في شنعة.
[٢] الولاج: الكثير الدخول. و الجماش: المتعرض للنساء.
[٣] غسلتهن: جامعتهن.
[٤] كبس دار فلان: هجم عليها فجأة و أحاط بها.
[٥] انتهى الخبر المشار إلى أوله في الحاشية رقم ٣ ص ١٦٢.