الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧٢ - الفرزدق و جرير و ذو الرمة يفضلونه على أنفسهم
و اشتدّوا عليه، فكان يتفلّت إليها في أوقات الغفلات، فيتحدّثان و يتشاكيان، ثم انتجعت بنو قشير في ربيع لهم ناحية غير تلك قد نضّرها غيث و أخصبها، فبعد عليه خبرها و اشناقها، فكان يسأل عنها كلّ وارد، و يرسل إليها بالسلام مع كل صادر، حتى ورد عليه يوما راكب من قومها، فسأله عنها فأخبره أنها خطبت فزوّجت، فوجم طويلا ثم أجهش باكيا و قال:
أتاني بظهر الغيب أن قد تزوّجت
فظلّت بي الأرض الفضاء تدور
و ذكر الأبيات الماضية.
/ و قد أنشدني هذه القصيدة لمزاحم ابن أبي الأزهر، عن حمّاد/ عن أبيه، فأتى بهذه الأبيات و زاد فيها:
و تنشر نفسي بعد موتي بذكرها
مرارا فموت مرّة و نشور
عججت لربي عجّة [١] ما ملكتها
و ربّي بذي الشّوق الحزين بصير
ليرحم ما ألقى و يعلم أنّني
له بالذي يسدي إليّ شكور
لئن كان يهدى برد أنيابها العلا
لأحوج منّي إنّني لفقير
الفرزدق و جرير و ذو الرمة يفضلونه على أنفسهم
حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبو أيوب المدينيّ، قال: قال أبو عدنان:
أخبرنا تميم بن رافع قال: حدّثت أنّ الفرزدق دخل على عبد الملك بن مروان- أو بعض بنيه- فقال له:
يا فرزدق، أ تعرف أحدا أشعر منك؟ قال: لا، إلا غلاما من بني عقيل، يركب أعجاز الإبل و ينعت الفلوات فيجيد، ثم جاءه جرير فسأله عن مثل ما سأل عنه الفرزدق فأجابه بجوابه، فلم يلبث أن جاءه ذو الرّمة فقال له: أنت أشعر النّاس؟ قال: لا، و لكن غلام من بني عقيل يقال له مزاحم يسكن الرّوضات؟ يقول وحشيّا من الشعر لا يقدر على مثله، فقال: فأنشدني بعض ما تحفظ من ذلك، فأنشده قوله:
خليليّ عوجا بي على الدار نسأل
متى عهدها بالظّاعن المترحّل [٢]
فعجت و عاجوا فوق بيداء موّرت [٣]
بها الريح جولان التراب المنخّل
حتى أتى على آخرها ثم قال: ما أعرف أحدا يقول قولا يواصل هذا.
صوت
أكذّب طرفي عنك في كلّ ما أرى
و أسمع أذني منك ما ليس تسمع
فلا كبدي تبلى و لا لك رحمة
و لا عنك إقصار و لا فيك مطمع
لقيت أمورا فيك لم ألق مثلها
و أعظم منها فيك ما أتوقع
فلا تسأليني في هواك زيادة
فأيسره يجزي و أدناه يقنع
الشعر لبكر بن النّطّاح، و الغناء لحسين بن محرز ثقيل أول بالوسطى عن الهشاميّ.
[١] عج الرجل: صاح و رفع صوته، و في ف: حججت لربي حجة.
[٢] في الخزانة ٣: ٤٥:
«بالظاعن المتحمل»
. [٣] مي، مد «صفقت»، و موّرت: أثارت.