الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧ - ذهب عقله آخر عمره فكان يخرج فيرده أحد ولده
و قال أيضا يعيّر بني تغلب بهذه الواقعة في قصيدة أوّلها:
حيّ دارا تغيّرت بالجناب
أقفرت من كواعب أتراب
يقول فيها:
أين أين الفرار من حذر المو
ت و إذ يتّقون بالأسلاب!
إذ أسرنا مهلهلا و أخاه
و ابن عمرو في القدّ و ابن شهاب
و سبينا من تغلب كلّ بيضا
ء رقود الضّحى برود الرّضاب
يوم يدعو مهلهل بالبكر
ها أهذي حفيظة الأحساب [١]!
ويحكم ويحكم أبيح حماكم
يا بني تغلب أ ما من ضراب!
و هم هاربون في كلّ فجّ
كشريد النّعام فوق الرّوابي
/ و استدارت رحى المنايا عليهم
بليوث من عامر و جناب
طحنتهم أرحاؤها [٢] بطحون
ذات ظفر حديدة الأنياب
فهم بين هارب ليس يألو
و قتيل معفّر في التّراب
فضل العزّ عزّنا حين نسمو
مثل فضل السّماء فوق السّحاب
وفد مع أخيه حارثة على أحد ملوك غسان
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدّثنا عمّي، عن ابن الكلبيّ، عن أبيه، قال:
وفد زهير بن جناب و أخوه حارثة على بعض ملوك غسّان، فلما دخلا عليه [٣] حدّثاه و أنشداه، فأعجب بهما و نادمهما، فقال يوما لهما: إن أمّي عليلة شديدة العلّة، و قد أعياني دواؤها، فهل تعرفان لها دواء؟ فقال حارثة:
كميرة حارّة- و كانت فيه لوثة- فقال الملك: أيّ شيء قلت؟ فقال له زهير: كميئة حارّة تطعمها، فوثب الملك- و قد فهم الأولى و الآخرة- يريهما أنه يأمر بإصلاح الكمأة لها، و حلم عن مقالة حارثة. و قال حارثة لزهير: يا زهير اقلب ما شئت ينقلب، فأرسلها مثلا.
ذهب عقله آخر عمره فكان يخرج فيرده أحد ولده
أخبرني عمّي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أحمد بن الغيث الباهليّ عن أبيه، قال:
كان من حديث زهير بن جناب الكلبيّ أنّه كان قد بلغ عمرا طويلا حتى ذهب عقله، و كان يخرج تائها لا يدري أين يذهب، فتلحقه المرأة من أهله و الصّبيّ، فتردّه و تقول له: إني أخاف عليك الذّئب أن يأكلك، فأين تذهب؟
فذهب يوما من أيّامه، و لحقته ابنة له فردّته، فرجع معها و هو يهدج كأنه رأل [٤]، و راحت عليهم سماء في الصيف/ فعلتهم منها بغشة [٥] ثم أردفها غيث، فنظر و سمع له الشّيخ زجلا منكرا. فقال: ما هذا يا بنيّة؟ فقالت: عارض
[١] في «المختار»: «ويحكم في حفيظة الأحساب». و في ف «أين حامي حفيظة الأحساب».
[٢] في «المختار»: «رحاؤها»، و الطحون: الحرب.
[٣] ف «دخلا إليه».
[٤] الرأل: ولد النعام.
[٥] البغشة: المطرة الضعيفة.