الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦٥ - يذكر الدنيا و يصف حاله و هو عليل
ألا ربّما كان التّصبّر ذلّة
و أدنى إلى الحال الّتي هي أسمج
و هل يحمل الهمّ الفتى و هو ضامن
سرى الليل رحّال العشيّات مدلج
و لا صبر ما أعدى على الدّهر مطلب
و أمكن إدلاج و أصحر منهج [١]
ألا ربّما ضاق الفضاء بأهله
و أمكن من بين الأسنّة مخرج
و قد يركب الخطب الّذي هو قاتل
إذا لم يكن إلا عليه معرّج
مدح الأفشين فأجازه المعتصم
حدثني بعض أصحابنا عن أحمد بن أبي كامل قال:
كان محمد بن وهيب تيّاها شديد الذّهاب بنفسه، فلمّا قدم الأفشين- و قد قتل بابك- مدحه بقصيدته الّتي أوّلها:
طلول و مغانيها
تناجيها و تبكيها
يقول فيها:
بعثت الخيل، و الخير
عقيد في نواصيها
و هي من جيّد شعره، فأنشدناها ثم قال: ما لها عيب سوى أنها لا أخت لها.
قال: و أمر المعتصم للشعراء الذين مدحوا الأفشين بثلاثمائة ألف درهم جرت تفرقتها على يد ابن أبي دواد، فأعطى منها محمد بن وهيب ثلاثين ألفا، و أعطى أبا تمّام عشرة آلاف درهم. قال ابن أبي كامل: فقلت لعليّ بن يحيى المنجّم: أ لا تعجب من هذا الحظّ؟ يعطى أبو تمام عشرة آلاف و ابن وهيب ثلاثين ألفا، و بينهما كما بين السماء و الأرض./ فقال: لذلك علّة لا تعرفها؛ كان ابن وهيب مؤدّب الفتح بن خاقان، فلذلك وصل إلى هذه الحال.
يذكر الدنيا و يصف حاله و هو عليل
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ. قال: حدثني أبو زكوان، قال:
حدثني من دخل إلى محمد بن وهيب يعوده و هو عليل قال: فسألته عن خبره فتشكّى ما به ثم قال:
نفوس المنايا بالنّفوس تشعّب
و كلّ له من مذهب الموت مذهب
نراع لذكر الموت ساعة ذكره
و تعترض الدّنيا فنلهو و نلعب
و آجالنا في كلّ يوم و ليلة
إلينا على غرّاتنا تتقرّب
أ أيقن أنّ الشيب ينعى حياته
مدرّ لأخلاف الخطيئة مذنب
يقين كأنّ الشّكّ أغلب أمره
عليه و عرفان إلى الجهل ينسب
و قد ذمّت الدّنيا إليّ نعيمها
و خاطبني إعجامها و هو معرب
[١] البيت من نسختي مي، مم. و جاء مكان هذا البيت في المختار:
أبي لي إغضاء الجفون على القذى
يقيني ألّا عسر إلا سيفرج
و أصحر: اتسع.