الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٣٦ - موقف عبد الملك بن مروان و عرضه الدية
فزارة تنتقم من قيس
قال: فلما أخذوا الدّية انطلقت فزارة فاشترت خيلا و سلاحا، ثم استتبعت سائر قبائل قيس، ثم أغارت على ماء يدعى بنات قين، يجمع بطونا من بطون كلب كثيرة و أكثر من عليه بنو عبد ودّ و بنو عليم بن جناب، و على قيس يومئذ سعيد بن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، و حلحلة [١] بن قيس بن الأشيم بن يسار أحد بني العشراء [٢]، فلما أغاروا نادوا بني عليم: إنا لا نطلبكم بشيء، و إنما نطلب بني عبد ودّ بما صنع الدّليلان اللّذان حملا حميدا، و هما المأمور و رجل آخر اسمه أبو أيّوب، فقتل من العبديّين تسعة عشر [٣] رجلا، ثم مالوا على العليميّين فقتلوا منهم خمسين رجلا، و ساقوا أموالا.
موقف عبد الملك بن مروان و عرضه الدية
فبلغ الخبر عبد الملك، فأمهل حتى إذا ولي الحجّاج العراق كتب إليه يبعث إليه سعيد بن عيينة و حلحلة بن قيس و معهما نفر من الحرس، فلما قدم بهما عليه قذفهما في/ السّجن و قال لكلب: و اللّه لئن قتلتم رجلا لأهريقنّ دماءكم، فقدم عليه من بني عبد ودّ عياض و معاوية ابنا ورد، و نعمان بن سويد، و كان سويد أبوه ابن مالك يومئذ أشرف من قتل يوم بنات قين، و كان شيخ بني عبد ودّ، فقال/ له النّعمان: دماءنا يا أمير المؤمنين، فقال له عبد الملك: إنما قتل منكم الصّبيّ الصّغير و الشيخ الفاني، فقال النّعمان: قتل منا و اللّه من لو كان أخا لأبيك لاختير عليك في الخلافة، فغضب عبد الملك غضبا شديدا، فقال له معاوية و عياض: يا أمير المؤمنين، شيخ كبير موتور.
فأعرض عنه عبد الملك و عرض الدّية، و جعل خالد بن يزيد بن معاوية و من ولدته كلب يقولون: القتل، و من كانت أمّه قيسيّة من بني أميّة يقولون: لا، بل الدّية كما فعل بالقوم، حتى ارتفع الكلام بينهم بالمقصورة، فأخرجهم عبد الملك و دفع حلحلة إلى بعض بني عبد ودّ، و دفع سعيد بن عيينة إلى بعض بني عليم، و أقبل عليهما عبد الملك فقال: أ لم تأتياني تستعدياني فأعديتكما و أعطيتكما الدّية، ثم انطلقتما فأخفرتما ذمّتي و صنعتما ما صنعتما، فكلّمه سعيد بكلام يستعطفه به و يرقّقه، فضرب حلحلة صدره و قال: أ ترى خضوعك لابن الزّرقاء نافعك عنده، فغضب عبد الملك و قال: اصبر حلحلة، فقال له: أصبر من عود بجنبيه جلّب [٤] فقتلا و شقّ ذلك على قيس، و أعظمه أهل البادية منهم و الحاضرة، فقال في ذلك عليّ بن الغدير الغنويّ:
لحلحلة القتيل و لابن بدر
و أهل دمشق أنجبة تبين
فبعد اليوم أيّام طوال
و بعد خمود فتنتكم فتون
و كلّ صنيعة رصد ليوم
تحلّ به لصاحبها الزّبون [٥]
/ خليفة أمّة قسرت عليه
تخمّط [٦] و استخفّ بمن يدين
[١] ب «طلحة بن قيس».
[٢] بنو العشراء: قوم من فزارة، و في ب «بنو العسراء»، تصحيف.
[٣] ف «فقتل من العبديين سبعة عشر رجلا».
[٤] جلب الرحل و جلبه (بالضم و الكسر) عيدانه.
[٥] ف «تحل به لصاحبه الديون».
[٦] تخمط: تكبر.