الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠ - يرثي أبا عبيد بن مسعود بعد أن قتله فيل الأعداء
ما أبلاهم، فخلّى سبيله، فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ كان الحدّ يقام عليّ و أطّهّر منها، فأما إذ بهرجتني [١] فلا و اللّه لا أشربها أبدا. و قال ابن الأعرابيّ في خبره: و قال أبو محجن في ذلك:
إن كانت الخمر قد عزّت و قد منعت
و حال من دونها الإسلام و الحرج
فقد أباكرها صرفا و أمزجها
ريّا و أطرب أحيانا و أمتزج
و قد تقوم على رأسي منعمة
خود إذا رفعت في صوتها غنج [٢]
ترفّع الصّوت أحيانا و تخفضه
كما يطنّ ذباب الرّوضة الهزج
يرد على امرأة ظنت أنه فر من المعركة
أخبرني الجوهريّ و المهلّبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة و قال:
لمّا انصرف أبو محجن ليعود إلى محبسه رأته امرأة فظنّته منهزما؛ فأنشأت تعيّره بفراره:
/
من فارس كره الطّعان يعيرني
رمحا إذا نزلوا بمن الصّفّر
فقال لها أبو محجن:
إن الكرام على الجياد مبيتهم
فدعي الرّماح لأهلها و تعطّري
يرثي أبا عبيد بن مسعود بعد أن قتله فيل الأعداء
و ذكر السّريّ، عن شعيب، عن سيف في خبره، و وافقته رواية ابن الأعرابي عن المفضّل:
أنّ النّاس لمّا التقوا مع العجم يوم قس النّاطف، كان مع الأعجام فيل يكرّ عليهم، فلا تقوم له الخيل؛ فقال أبو عبيد بن مسعود: هل له مقتل؟ فقيل له: نعم؛ خرطومه إلا أنّه لا يفلت منه من ضربه؛ قال: فأنا أهب نفسي للّه، و كمن له حتى إذا أقبل وثب إليه فضرب خرطومه بالسّيف؛ فرمى به، ثم شدّ عليه الفيل فقتله، ثم استدار فطحن الأعاجم و انهزموا، فقال أبو محجن الثّقفيّ يرثي أبا عبيد:
أنّى تسدّت [٣] نحونا أمّ يوسف
و من دون مسراها فياف مجاهل
إلى فتية بالطّفّ نيلت [٤] سراتهم
و غودر أفراس لهم و رواحل
و أضحى أبو جبر خلاء بيوته
و قد كان يغشاها الضّعاف الأرامل
و أضحى بنو عمرو لدى الجسر منهم
إلى جانب الأبيات جود و نائل
و ما لمت نفسي فيهم غير أنّها
لها أجل لم يأتها و هو عاجل
و ما رمت حتى خرّقوا بسلاحهم
إهابي و جادت بالدّماء الأباجل [٥]
[١] بهرجتني: أهدرتني بإسقاط الحد عني (اللسان).
[٢] الخود: المرأة الشابة. و الغنج: الدلال. و في س، ف «فيها إذا رفعت في صوتها غنج».
[٣] تسدت نحونا: جازت.
[٤] ف «حلت سراتهم».
[٥] رمت: فارقت و برحت. و الإهاب: الجلد. و الأباجل: جمع أبجل و هو عرق غليظ في الرجل أو في اليد بإزاء الأكحل.