الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩٣ - صادره الحسن بن سليمان على جعل يأخذه و يكف عن السؤال فلم يف له
على أبي صدقة درّاعة [١] ملحم [٢] خراسانيّ محشوّة بقز، ثم تغنى ابن جامع، و تغنى بهذه إبراهيم، و تلاهما أبو صدقة فغنّى لابن سريج:
و من أجل ذات الخال أعملت ناقتي
أكلّفها سير الكلال مع الظّلع [٣]
فأجاده، و استعاده الحارث ثلاثا و هو يعيده. فقال له الحارث: أحسنت و اللّه يا أبا صدقة! قال له: هذا غنائي و قد قرصني البرد، فكيف تراه [٤]- فديتك- كان يكون [٤] لو كان تحت درّاعتي هذه شعيرات؟ يعني الوبر، و الرشيد يسمع ذلك/ فضحك، فأمر بأن يخلع عليه دراعة ملحم مبطنة بفنك، ففعلوا، ثم تغنى الجماعة، و غنى أبو صدقة لمعبد:
بأن الخليط على بزل [٥] مخيّسة [٦]
هدل المشافر أدنى سيرها الرّمل
ثم تغنى بعده لمعبد أيضا:
بأن الخليط و لو طووعت ما بانا
و قطّعوا من حبال الوصل أقرانا [٧]
فأقام فيهما جميعا القيامة، فطرب الرشيد حتى كاد أن يخرج إلى المجلس طربا فقال له الحارث: أحسنت و اللّه يا أبا صدقة- فديتك- و أجملت، فقال أبو صدقة: فكيف ترى- فديتك- الحال تكون لو كانت على هذه الدراعة نقيطات؟ يعني الوشي، فضحك الرشيد حتى ظهر ضحكه، و علموا بموضعه، و عرف علمهم بذلك، فأمر بإدخالهم إليه، و أمر بأن يخلع على أبي صدقة دراعة أخرى مبطنة، فخلعت عليه.
صادره الحسن بن سليمان على جعل يأخذه و يكف عن السؤال فلم يف له
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، قال:
سأل الحسن [٨] بن سليمان أخو عبيد اللّه بن سليمان الطفيليّ [٩] الفضل و جعفرا ابني يحيى أن يقيما عنده يوما، فأجاباه [١٠]، فواعد عدة من المغنين، فيهم أبو صدقة المدني، فقال لأبي صدقة: إنك تبرم بكثرة السؤال:
فصادرني [١١] على شيء أدفعه إليك/ و لا تسأل شيئا غيره، فصادره على شيء أعطاه إياه. فلما جلسوا و غنّوا أعجبوا بغناء أبي صدقة، و اقترحوا عليه أصواتا من غناء ابن سريج و معبد و ابن محرز و غيرهم، فغنّاهم، ثم غنى- و الصنعة له رمل:
[١] الدراعة: جبة مشقوقة المقدم.
[٢] الملحم: نوع من الثياب.
[٣] البيت لعمر بن أبي ربيعة، في ديوانه- ٣٣٠، و الظلع: مصدر ظلع، كمنع: إذا غمز في مشيه.
[٤] في س «فتكون»، و هو تحريف.
[٥] البزل: جمع البازل، و هو الجمل أو الناقة بزل نابها: أي انشق، و يكون ذلك في تاسع سنيه.
[٦] مخيسة: مروضة مذللة.
[٧] الأقران: جمع قرن، كسهل، و هو الحبل المفتول من لحاء الشجر، و الخصلة المفتولة من الصوف.
[٨] ف «الحسين بن سليمان».
[٩] ف «اللطفي».
[١٠] في س «فأجابه»، و هو تحريف.
[١١] صادرني على شيء: طالبني به.