الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٦١ - سر اختيار المدينة
كما أن ذلك يهيئ للنبي «صلى اللّه عليه و آله» الفرصة لعرض دعوته على القوافل التي تتجه من بلاد الشام و الأردن و فلسطين و غيرها إلى مكة، و التمهيد لإفشال كثير من الدعايات التي يمكن للمكيين أن يطلقوها ضد الإسلام و أهله.
و قد تقدم قول المشركين لعبد اللّه بن أبي، حين بيعة العقبة: «ما من حي أبغض من أن تنشب الحرب بيننا و بينه منكم» .
و تقدم أيضا: أنهم لما أخذوا سعد بن عبادة بعد بيعة العقبة و عذبوه، جاء الحارث بن حرب و جبير بن مطعم و خلصاه، لأنه كان يجير لهما تجارتهما.
و إذا كانت قريش قد لقيت من أبي ذر ما لقيت، حين أخذ عليها طريق تجارتها، فإن ما سوف تلقاه من أهل المدينة سيكون أشد، و أعظم خطرا، و أبعد أثرا، و لا سيما إذا عقد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» تحالفات مع سائر القبائل المقيمة في المنطقة، كما حصل بالفعل، و كانت المعاهدة بصورة تجعلهم مضطرين لقطع علاقاتهم بالمشركين [١].
٢-لقد عرفنا مما تقدم: أن الهجرة إلى المدينة هي الحل المفروض، الذي لا خيار معه؛ و ذلك لأن الهجرة إلى الطائف لم تكن بالتي تجدي نفعا، بعد أن رأينا: أن أهلها رفضوا الاستجابة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» حينما هاجر إليهم، لأنهم يرون: أن مكة هي التي تستطيع أن تضايقهم اقتصاديا،
[١] راجع: وثيقة المدينة الآتية في الجزء التالي من هذا الكتاب؛ آخر فصل: أعمال تأسيسية في مطلع الهجرة. فقد جاء فيها ما يلي: «و أنه لا يجير مشرك مالا لقريش، و لا نفسا، و لا يحول دونه على مؤمن» . و راجع: نشأة الدولة الإسلامية: ص ٢٨٩-٢٩٥.