الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٦٢ - سر اختيار المدينة
و هم إليها أحوج منها إليهم.
و لأجل ذلك فإنهم لا يستطيعون في المستقبل المنظور على الأقل إلا أن يدوروا سياسيا في فلكها، و أن يخضعوا لسيطرتها.
و أما سائر قبائل العرب؛ فلا يجدون في أنفسهم القدرة على ذلك، و قد جرب أن يعرف مدى استعدادهم لقبول دعوته، و الدفاع عنها؛ فوجد ما لا ينقع غلة، و لا يبل صدى، إن لم نقل إنه وجد ما يزيد الطين بلة، و الأمر خطورة.
و أما اليمن، و فارس، و الروم، و بلاد الشام و غيرها؛ فقد كانت خاضعة لسلطة الدولتين العظميين، اللتين لن يكون نصيب الرسول و الرسالة منهما سوى المتاعب و الأخطار الجسيمة.
و قد تكلمنا عن شيء من ذلك عند الحديث عن عوامل انتصار الإسلام و انتشاره في أواخر الباب الأول من هذا الكتاب.
و لسوف نرى أن كسرى قد حاول أن يقوم بعملية خطيرة تجاه الرسول و رسالته حينما أرسل إليه «صلى اللّه عليه و آله» يدعوه إلى الإسلام.
و أما الحبشة فهي بحكم موقعها الجغرافي مفصولة عن مكة، كما أنها بحكم واقعها الاجتماعي، و السياسي، و البشري، و العنصري، و بحكم كونها بلدا أفريقيا، فإنها ليست بلدا قادرا على أن يقود عملية التغيير العالمية الشاملة، لا اقتصاديا، و لا سياسيا، و لا عسكريا، و لا حتى فكريا، و اجتماعيا.
أضف إلى ذلك: أن مهاجمة مكة بجيش من الحبشة لسوف يدفع العرب كافة إلى الوقوف إلى جانب قريش ضده، بخلاف ما لو كانت عملية التغيير منطلقة من الداخل حينما يؤمن بدعوته الفقراء، و المستضعفون،