الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٨٧ - النفاق في مكة
بل كان المسلمون في مكة ضعفاء مضطهدين، معذبين؛ فالمناسب أن يتقي المتقي-رغبا أو رهبا-من صناديد قريش و عظمائها، لا منهم.
و أما في المدينة فقد قوي أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» و ظهر أمر المسلمين، و أصبحوا قوة يمكنها الدفع و المنع، و كان له «صلى اللّه عليه و آله» في كل بيت أتباع و أنصار يطيعون أوامره، و يفدونه بكل غال و نفيس، و القلة القليلة الباقية لم يكن يسعهم الإعلان بالخلاف؛ فداروا أمرهم بإظهار الإسلام، و إبطان الكفر-على أن يكيدوا و يمكروا بالمسلمين، كلما سنحت لهم الفرصة لذلك.
هكذا استدل البعض لإثبات عدم وجود منافقين بين المسلمين الأولين.
و لكنه كما ترى كلام لا يصح.
و ذلك لأن النفاق في مكة كانت له أسبابه، و مبرراته، و مناخاته، و نذكر هنا ما يلي:
أولا: إن أسباب النفاق لا تنحصر فيما ذكر، من الرغبة و الرهبة لذي الشوكة و منه، إذ أننا كثيرا ما نجد في المجتمعات فئات من الناس مستعدة لقبول أية دعوة، إذا كانت ذات شعارات طيبة، تنسجم مع أحلامهم و آمالهم، و تعدهم بتحقيق رغائبهم، و ما تصبو إليه نفوسهم، فيناصرونها، رغم أنهم في ظل أعتى القوى و أشدها طغيانا، و هم في غاية الضعف و الوهن يعرضون أنفسهم لكثير من الأخطار، و يحملون المشاق و المصاعب من أجلها و في سبيلها.
كل ذلك رجاء أن يوفقوا يوما ما لتحقيق أهدافهم، و الوصول إلى مآربهم، التي يحلمون بها، كالعلو في الأرض، و الحصول على الثروات،