الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٨٨ - النفاق في مكة
و الجاه العريض، و غير ذلك.
إنهم يقدمون على كل هذا، مع أنهم ربما كانوا لا يؤمنون بتلك الدعوة إلا بمقدار إيمانهم بضرورة الحصول على تلك المآرب و الأهداف الآنفة الذكر.
و من الواضح: أن المنافق الطامع الذي من هذا القبيل يكون-فيما لو نجحت الدعوة-أشد خطرا على تلك الدعوة من أعتى أعدائها؛ لأنه إذا وجد أن الدعوة لا تستطيع أن تمنحه كل ما يريد-و لو لاقتضاء المصلحة لذلك-فإنه سوف يمكر و يغدر [١]، كما أنه يكون هو الأقدر على الانحراف بهذه الدعوة، و إخراجها عن نهجها القويم، و صراطها المستقيم إلى المتاهات التي يستطيع في ظلماتها و بهمها أن يحصل على ما يريد دون رادع أو وازع، و هو الذي يملك كل المبررات لذلك مهما كانت سقيمة و تافهة.
و أما إذا فشلت الدعوة: و كان قد أحكم أمره؛ فإنه يستطيع أن يقول لمن هم على شاكلته: إنا كنا معكم؛ إنما نحن مستهزئون.
فإنه إذا كان النفاق في المدينة قد كان في أكثره لدوافع أمنية، أو للحفاظ على المصالح و العلاقات المعينة، فإن النفاق المكي لسوف يكون أعظم خطرا، و أشد محنة و بلاء على الإسلام و المسلمين، حسبما أوضحنا آنفا.
و على هذا، فإن من القريب جدا. . أن يكون بعض من اتبع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مكة لم يكن مخلصا للدعوة، و إنما كان مخلصا لنفسه فقط، لا سيما إذا لاحظنا: أن دعوة الرسول قد كانت مقترنة من أول يوم بدئها
[١] راجع: تفسير الميزان ج ١٩ ص ٢٨٩.