نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١١ - لنزورَ بلاد النحل
لاختيار بيتٍ جديدٍ فهو يسير خلف «الملكة» التي هي بمنزلة القائد في الخليّة، وعليه فانَّ المتنفذ الحقيقي هي «الملكة».
والتعبير ب «أوحى» تعبيرٌ جميلٌ حيث يبرهنُ على أنَّ اللَّه تعالى قد علَّمَ هذا الحيوان طراز بناء البيت الذي يُعدّ من أروع أعمال هذه الحشرةِ بواسطةِ الهامٍ خفيٍّ وسيأتي شرحه في «التوضيحات» إن شاء اللَّه، وهي تقوم بانجاز واجباتها على أفضل وجهٍ وفقاً لهذا الوحي الإلهي، فقد تختار صخور الجبال، أو بطون الكهوف لبناء بيوتها، وتضع الخلية بين أغصان الأشجار أحياناً، وقد تستخدم الخلايا الاصطناعية التي يصنعها الإنسان لها على القصب، أو أنّها هي التي تقوم ببناء البيت على القصب.
إنَّ ألفاظ الآية تدللُ جيداً على أنَّ بناء البيت هذا ليس بناءً عادياً وإلّا لما عبَّر عنه القرآن بالوحي، وسنرى عاجلًا أنَّ الأمر هكذا.
وفي الآية الثانية توجَّه نحو صناعة عسل النحل مضيفاً: أنَّ اللَّه قد أوحى لها أن تأكل من جميع الثمار: «ثُمَّ كُلِى مِنْ كُلِّ الَّثمَراتِ» «واقطعي الطرق التي يَسَّرها وسخَّرها لكِ ربُّكِ لتكوين العسلِ الحلو»: «فَاسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا».
«سُبُل»: جمع «سبيل» وتعني «الطريق اليسير» [١].
وهنا: ما المقصود من هذه السُبُل في الآية أعلاه؟ لقد أبدى المفسِّرون احتمالات مختلفة:
فقال بعضهم: المقصود هي الطرق التي يطويها النَّحلُ نحو الأزهار، والتعبير ب «ذُلُل» (جمع «ذلول» وتعني التسليم والطاعة) [٢] يدللُ على أنَّ هذه الطرقَ تُعيَّنُ بدقةٍ بحيث يكون ارتيادها سهلًا وعاديّاً للنحل؛ وتؤيدُ دراساتُ خبراء النحل هذا المعنى أيضاً، فهم يقولون:
[١] كما أوردها الراغب في المفردات.
[٢] من الممكن أن تكون «ذللًا» حالًا ل «سبل»، أو ل «النحل»، ويبدو أنَّ الاحتمال الأول اكثرُ صحةً.