نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٢ - النوم من آيات اللَّه
أعمالهم إلى ثلاث وجبات يومياً، فتتضح الحاجةُ إلى النوم في النهار أكثر من أيِّ وقتٍ آخر.
والآن .. فلو لم يكن برنامج تنظيم النوم بيد الإنسان، ولم يتيسر النوم نهاراً بدلًا عن الليل، فمن المسلَّم به أنّ مشكلاتٍ كبيرةً ستعترضُ حياته.
وفي الآية الثانية بعد ذكر: «هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً» يشيرُ إلى مسألة النوم حيث يقول تعالى: «وَالنَّوْمَ سُباتاً».
ومن الممكن أن يكون تعبير «هو الذي» إشارة إلى الجانب التوحيدي لهذه الامور، فكلٌ منها دليلٌ على الذات المقدّسة، أو جانبِ الانعامِ كي يعرفَ الإنسانُ وليَّ نعمتِهِ، ومن المسلَّم به أن الإشارة إلى وليَّ النعمة ستكون مقدمةً لمعرفته أيضاً.
واللطيف أنّه يقول بعد ذلك: «وَجَعَلَ النَّهارَ نَشُورَاً» [١].
أجَلْ ... ففي وضح النهار تنتشر الروحُ ويستيقظ الإنسانُ بشكلٍ كامل، إذ لا يخلو من شَبَهٍ بنشورِ يوم القيامة والحياة ما بعد الموت.
وهذا الاحتمالُ ممكن أيضاً، حيث يشير إلى انتشار الناس في ميدان الحياة وحركتهم نحو مقاصدهم المعاشيةِ المختلفة، وبهذا فانَّ أجراس النوم والراحةِ تقرع مع حلول الظلام، وتدق هذه الأجراس في النهوض مع بزوغ الشمس.
وفي الآية الثالثة تكرَّرَ هذا المعنى باختصارٍ طفيف إذ يقول: «وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً* وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً»، فكما يصونُ اللباسُ الإنسانَ من الاخطار ويكون له دوراً في سلامته فانَّ ظلامَ اللَّيل له مثل هذا الأثر.
وفي الآية الرابعة والأخيرة في هذا البحث، وحينما يتحدث القرآن الكريم عن وقائع غزوة بدر يشير إلى أنَّ احدى نِعَمِ اللَّه على المؤمنين في تلك الليلة التاريخية كانت «اذْ
[١] تأملوا جيداً أنَّ «النشور» معنى لمصدر، و «السُبات» معنى لمصدرٍ أيضاً أو اسمٌ مصدريٌ، واطلاقهما على الليل والنهار يفيد المبالغة والتأكيد.