نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٠ - أستاذ الأزل
فأَصلُ التكلم مِن آيات اللَّه العظيمة، وهذا التنوع في اللغات آيةٌ عظيمةٌ اخرى، وكلاهما يعتبر من خصائص خلقةِ البشر.
من الممكن أن تنطقَ بعضُ الطيور عن طريق التعليم المتكرر عبارات جذابة، ولكن- ممّا لا شك فيه- أنّ عَمَلَها ليس إلّاتقليد لالفاظٍ محدودةٍ صادرةٍ عن الإنسان من غير ادراكٍ لمفاهيم هذه الالفاظ، فالانسانُ وحدهُ الذي يستطيع- بنحوٍ غير محدودٍ وبادراك تام- أن يكوِّنَ جُمَلًا ويصب فيها مفاهيم مختلفةً ويعّبر عنها.
وفي (توحيد المفضل)، يلفتُ الإمام الصادق عليه السلام النظر إلى هذه الآية العظيمة، حيث يقول عليه السلام للمفضل: «... اطِلَ الفكر يا مفضل في الصوت والكلام وتهيئة آلاته في الإنسان، فالحنجرة كألانبوبة لخروج الصوت، واللسان والشفتان والاسنان لصياغة الحروف والنغم، الم تر أن من سقطت أسنانه لم يقم السين، ومن سقطت شفته لم يصحح الفاء، ومن ثقل لسانه لم يفصح الراء، وأشبه شيء بذلك المزمار الأحمر ....» [١].
ثم يشرحُ الإمام عليه السلام تفاصيلَ ذلك للمفضل ويدعوه إلى التفحص بهذا الأمر.
وفي الآية السابعة والأخيرة من بحثنا، يخاطبُ تعالى الرسولَ صلى الله عليه و آله ويأمُرُهُ: «فَذَكِّرْ إِنَّمَا أنْتَ مُذَكِّر»، فقد يكون المقصود من «التذكير» إشارة إلى أن حقائق هذه العلوم والمعارف وخلاصتها موجودة في وجدان وروح الإنسان طبقاً للهداية الإلهيّة، ثمَّ تتفتحُ هذه العلوم في ظل تعاليم الأنبياء والرُسل (عليهم السلام)، حيث تخرج من مرحلة «الخفاء» إلى مرحلة «الظهور»، ومن «الاجمال» إلى «التفصيل» ومن «الباطن» إلى «الظاهر».
وقد وردت هذه الآية أربعُ مراتٍ في القرآن الكريم في سورة القمر عند بيانِ وقائعِ قومِ «فرعون» و «عاد» و «ثمود» و «لوط» حيث يقول تعالى: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرآنَ لِلذَّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ». (القمر/ ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠)
[١] بحار الأنوار، ج ٣، ص ٧١.