نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٨ - ١١- التغيّرات المذهلة في لحظة الولادة
ظاهر الآية أنّ هذا من العلوم الإلهيّة الخاصة، وهو العلم بخصائص الجنين من كل الجوانب قبل ولادته، فهو عزوجل لا يعلم بالجنين من حيث جنسه فقط وإنّما يعلم بكل قابلياته وأذواقه وصفاته الظاهرة والباطنة، كما أنّ لحظة ولادته لا يعلمها إلّااللَّه، ومن أجل أن لا نتصور أنّ الزيادة والنقصان تأتيان بدون حساب أو مبرر، بل إنّ ساعتها وثانيتها ولحظتها محسوبة جميعاً، فقد أضاف قائلًا: «وكُلُّ شَىءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ».
المثير هو ظهور تغيرّات عجيبة على نظام حياة الوليد في لحظة ولادته وهي تغيرات ضرورية جدّاً لتكييفه مع المحيط الجديد، وسوف نشير إلى اثنتين منها فقط:
أ) تغيّر نظام دوران الدم، فعملية دوران الدم في الجنين دوران بسيط، لأنّه لا يتحرك الدم الملوّث نحو الرئتين من أجل التصفية، إذ لا تنفس هناك، ولهذا كان إثنان من أجزاء قلبه (البطين الأيمن والأيسر) الذي يتحمل أحدهما مسؤولية إيصال الدم إلى الأعضاء والثاني يتحمل مسؤولية إيصال الدم إلى الرئتين للتصفية، على اتصال مع بعضهما، ولكن بمجرّد أن يولد الجنين تُغلق البوابة بينهما وينقسم الدم إلى قسمين، قسم يُرسل إلى كل خلايا الجسم لتغذيتها والقسم الآخر إلى الرئتين لتصفيته.
أجل، ما دام الجنين في بطن الأُم فإنّه يحصل على ما يحتاج من الأوكسجين من دم الام، لكن عليه أن يكتفي ذاتياً بعد الولادة ويحصل على الاوكسجين بواسطة الرئة والتنفس، الرئة التي كانت قد خِلُقتْ وأُعدّت مسبقاً بشكل تام في رحم الأم، سوف تمارس عملها فجأة بأمر إلهي واحد، وهذا من العجائب حقاً.
ب) إنسداد عقدة السُرّة وجفافها وسقوطها (عادةً ما يقطعون عقدة السرة التي تعتبر طريق تغذية الجنين بواسطة الحبل السري من دم الأم، ولكن حتى لو لم يقطعوها فإنّها تتيبس وتسقط تدريجياً).