نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٩ - الطيرُ يُسبّحُ وأنا صامت!
وفي الآية الثالثة نواجه صياغة جديدة بصدد الآيات التوحيدية لحياة الطيور إذ يخاطبُ النبي صلى الله عليه و آله قائلًا: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِى السمَّواتِ وَالأَرْضِ» «والطَّيْرُ صافَّاتٍ».
الطيور التي تتحرك في الجو صفوفاً، بجلالٍ وعظمةٍ وجمال ولا تتعبُ العين من مشاهدتها أبداً، فهي ترسمُ أشكالًا هندسيةً مختلفة على صفحة السماء بحيث تذهلُ الإنسان، إذ قد تطير المئات بل الآلاف من الطيور وتغيُّر طريقها باستمرار من خلالِ أمرٍ خفيٍّ من دون أن يحدث اصطدامٌ فيما بينها.
ويضيف في سياق الآية: «كُلٌ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيْحَهُ» [١].
نعم .. فلكلٍّ منها صلاةٌ وابتهال ومناجات ودعاءٌ وحاجاتٍ في عالمها الخاص، ولكلٍّ تسبيحه وتعظيمه وثناؤه، ومن المعروف أنَّ ذرات وجود أيٍّ منها وبناء مختلف أعضائه وحركاته وسكناته تُخبرُ عن مُبديءٍ عظيمٍ يجمعُ كافة الكمالات ومُنَزَّهٍ عن جميع النواقص، وهي دائمةُ التّسبيح بحمده بلسان حالها.
ويعتقد بعضهم أنَّ حمدَها وتسبيحها وصلاتها عن وعي، ويعتبرون لكلِّ موجودٍ حتى الذي نَحسبُه جماداً وبلا روح، عقلًا واحساساً، بالرغم من جهلنا به، كما نقرأ في مكانٍ آخر: «وَإِنْ مِّنْ شَىءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَّاتَفْقَهُوْنَ تَسْبِيْحَهُم». (الاسراء/ ٤٤)
وكل تفسير من ذينك التفسيرين الصحيحين يصلح أن يكون شاهداً على ادعائنا بأنَّ جميع الموجودات في هذا العالم، لا سيما الطيور التي تطير في جوِّ السماء، آياتٌ وبراهينٌ على قدْرةِ وعلم خالق الكون.
[١] هنا حيث يعود الضمير في «عَلِمَ» إلى «اللَّه» أو إلى «كلّ» هنالك جدالٌ بين المفسِّرين، ولكن ما يناسب وضع الآية هو أن يعود الضمير إلى «كل» فيعني: «كل واحد» أي أنَّ كلَّ واحدٍ من موجودات الأرض والسماء والطيور يعرف صلاته وتسبيحه جيداً.