نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٩ - الروح الاجتماعية للبشر واحدة من أعظم المواهب الإلهيّة
حيث تقول: «هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنْ نَّفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنهَا زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها».
والمقصود من «نفسٍ واحدةٍ» باعتقاد اغلب المفسِّرين هو آدم عليه السلام [١]، ومن المسلَّم به أنَّ التعابير التي جاءت في ذيل الآية وتُشَمُّ منها رائحة الشرك، لا تعني الشرك في الاعتقاد ولا في العبادة، بل يُمكنُ أن يَكونَ المقصود منها هو ميل آدم إلى ابنائهِ، الميلُ الذي قد يجذبُ الإنسان نحوه في لحظات خاطفة ويجعله يغفل عن غيره.
ويُحتملُ أن يكون المراد من «نفس واحدة» هو «الوحدة النوعية»، أي (خلقكم من نوعٍ واحدٍ).
وليسَ المقصود من عبارة: «جَعَلَ منها زَوْجها» أنَّ زوجة آدم «حواء» قد خُلقَتْ من جزءٍ من جسمه، كما نُقل في الرواية الموضوعة أنَّ حواء خُلقت من ضلع آدم الأيسر، ولهذا يقل عدد الاضلع في الجانب الايسر عنها في الجانب الأيمن بضلعٍ واحدٍ، لدى الرجال، ولا شك أنَّ عددَ الأضلع في كلا جانبي الرجل لا يتفاوت أبداً، ومن السهولة تجربة ذلك، بل إنّ المقصود هو:
إنَّه خلقَ زوجة آدم من جنسه، كي تكون بينهما الجاذبة الجنسية، وليس من جنسٍ بعيدٍ وغريبٍ، كما نقرأ بخصوص النبي صلى الله عليه و آله في القرآن الكريم: «هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الأُمِيِّيْنَ رَسْوُلًا مِنْهُمْ».
ويشير في الآية الثالثة إلى خلق الإنسان من نطفةٍ مختلطة، فيقول: «إنّا خَلَقْنا الانْسَانَ مِنْ نُّطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَليْهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيْعاً بَصِيْراً».
وتم التلميح في هذه الآية إلى ثلاث مزايا للإنسان: الاولى امتزاج النطفة، ويستفاد هذا الامتزاج من لفظ «أمشاج» جمع «مشيج» أو «مَشَج» (على وزن مَدَدْ) وتعني الشيء
[١] تفسير مجمع البيان، ج ٤، ص ٥٠٨؛ و التفسير الكبير، ج ١٥، ص ٨٥؛ و تفسير روح البيان، ج ٣، ص ٢٠٩٤؛ تفسير الميزان، ج ٨، ص ٣٩١، ونقل هذا المعنى في تفسير القرطبي (ج ٤، ص ٢٧٧٣) عن جمهور المفسرين.