نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٧ - الكل يتنعم بهذه المائدة عدواً كان أم صديقاً
للأصنام: «لَآإِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤفَكُونَ» [١].
ويستند في الآية الثانية على أربعةِ أمورٍ لإثبات توحيد الربوبية: «وحدانية الخالق»، وكذلك التوحيد في العبادة، وهي: خلق الإنسان، ورزقُهُ، ومَوتُهُ، وإعادة احيائه، وقد تمَّ تعريفها من قبل اللَّه تعالى، لأنَّها جميعاً ذات نظامٍ دقيقٍ حيث تُبرهنُ أنّها تصدرُ عن مبدأ العلم والقدرة، فيقول: «اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيْتَكُمْ ثُمَّ يُحْيِيْكُمْ». «هَلْ مِنْ شُركَائِكُمْ مَّنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِّنْ شَىءٍ» بناءً على ذلك يجب أنْ تُسلِّموا لنزاهتهِ وعلوِّهِ عمّا يُشركون به: «سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ عَمَّا يُشرِكُونَ».
فحيثما نعلم أنَّ خلقَنا وموتنا وحياتنا بيده، فلا معنى بأنْ نلهثَ وراء غيره، ونخضع ونُسَلِّمَ لسواه.
والجدير بالذكر أنَّ الخلقَ يشملُ الرزقَ والموت والحياة، لأنَّ كافة أنواع الرزق تعود إلى خلقِ اللَّه تعالى، وكذلك فإنّ الحياة جزءٌ من الخلق وتعقبها الأرزاقُ والموت، وعليهِ فانَّ الاستناد إلى هذهِ الجوانب الثلاثة ليس لكونها شيئاً منفصلًا عن الخلق، بل لأنّها في الحقيقة توضحُ مصاديقَ مهمّةً عن ذلك الموضوع العام.
وهذه النكتة جديرةٌ بالتأمْلِ أيضاً، إذ بالرغم من أنَّ الإحياء بعد الموت لم يَكن مقبولًا لدى مشركي العرب، إلّاأنَّ هذه الآية تُعتبر إشارة لطيفةً لهذا الاستدلال، وهو أنَّ الخلقَ الأول ونعمة الحياة في بداية الأمر دليلٌ واضحٌ على إمكانية تكراره يوم القيامةِ والبعث، بل لو تأمّلنا جيداً فانَّ مسألة الموت والحياة مستمرةٌ في هذا العالم، فوجود الإنسان يعتبر ساحةً للموت والحياة في كلٍّ عامٍ وشهر بل في كلِّ يوم وساعة، تموت الملايين من الخلايا، وتحلُ مكانها ملايينُ اخرى، فتتجسدُ مسألةُ المعاد باستمرار في هذه الدنيا، إذن ما العَجَبُ في أنْ يَرجعَ الامواتُ إلى الحياة من جديد في الآخرة؟
[١] «تؤفكون» من مادة «إفْكْ»، وتعني تغيير الشيء عن وضعهِ الحقيقي، ولهذا يقال للكذب والاتهام والانحراف عن الحق نحو الباطل «إفْكْ»، وكذلك يُطلقُ على الرياح التي تنحرف عن مسيرها المنظم (مؤفكة) (مفردات الراغب).