نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٨ - ظاهرة الريح والأمطار والأسرار الكامنة فيها
ويستند في نهاية الآية على هذين الموضوعين كوثيقةٍ لإثبات وحدانية اللَّه تعالى، ويخاطب المشركين: «أَ إِلهٌ مَعَ اللَّه تَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ»، ولعلَّ ذكرُ هاتين الهِبَتين معاً إشارةٌ إلى هذا المعنى وهو عندما يكون الجو صافياً يمكن الاستفادة من النجوم ليلًا في الإهتداء إلى الطريق للوصول إلى الهدف، وإذا كان الجو غائماً فثمة رحمة أخرى وهي المطر ينالها الإنسان، إذنْ ففي كلا الحالتين هناك موهبة ورحمةٌ، وهو برهانٌ لمعرفة الذات الإلهيّة المقدّسة.
وفي الآية الثامنة إشارة إلى مسألة الرياح ونزول الأمطار بتعبيرٍ جديد، فيقول:
«وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَواقِحَ».
هل أنّ المقصود من الآية الكريمة هو حمل حبوب اللقاح بواسطة الرياح لتلقيح النباتات التي ستحمل الفواكه والثمار من بعد ذلك، أم المقصود هو تلقيح السحاب لكي يحمل المطر؟
وبالنظر لقوله في تكملة الآية: «فَأَنْزَلنَا مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ»، فيظهر أنّ المعنى الثاني أكثر تناسباً، بالرغم من إمكانية الاستفادة من المعنيين معاً.
على أيّة حال، فانَّ التعبير أعلاه تعبيرٌ لطيفٌ جدّاً حيث شَبَّه قِطعَ الغيوم بالامهات والآباء، فتتلاقح هذه الغيوم عن طريق الرياح ثم تحملُ، وتضعُ جنينها أي قطرات الأمطار على الأرض!
ويشيرُ في ختام الآية إلى المياه الجوفية المخزونة تحت الأرض، والتي هي من الذخائر الإلهيّة للناس، فيقول: «وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ».
فنحن الذين أمرنا طبقات الأرض أن تحتفظ بمياه الأمطار الصافية في داخلها، وقد تكون الآبار والقنوات التي تستخدمونها اليوم هي من احتياطي المياه التي ذُخرت لكم منذ ملايين السنين في باطن الأرض، من غير أنْ تَتلوث أو تتعفن.