نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧١ - الروح الاجتماعية للبشر واحدة من أعظم المواهب الإلهيّة
قبيلةٍ أشخاصاً يمتازون بمزايا شخصية خاصةٍ كي تُحلَّ مسألة «التعارف».
ويقول في نهاية الآية كاستنتاج أخلاقي من هذه المسألة الاجتماعية: إنَّ الانتسابَ للقبائل والجماعات ليس دليلًا على أيِّ تفاضُل أبداً بل: «انَّ أَكْرَمَكُم عِنْدَ اللَّهِ اتْقاكُمْ».
فالتقوى لا تُعتبرُ مسألة أخلاقية فحسب، بل مسألة اجتماعية لا تستقيم الحياة الاجتماعية للبشر إلّامن خلالها، التقوى في جميع المجالات، التقوى الاقتصادية، التقوى السياسية، تقوى اللسان والتقوى الفكرية.
وفي الآية الخامسة والاخيرة من البحث يعتبر «تأليف القلوب» احد الأدلة المهمّة على انتصار نبي الإسلام صلى الله عليه و آله، فيقول: «هُوَ الَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالْمُؤْمِنيْنَ* وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ».
ويثبتُ هذا التعبير بوضوح أنَّ تأليف القلوب يعتبر أمراً حتمياً من أجل التغلُّب على المشكلات الاجتماعية، وقد خلقَ اللَّهُ هذا الاستعداد لدى البشر ولولاه لم يتسنَ التأليفُ بين القلوب، ولو لم يحصل فستضطرب حياة البشر الاجتماعية.
ثمَّ يُلمِّحُ إلى مسألةٍ لطيفةٍ وهي أنَّ تأليف القلوب لا يتحقق بالطرق المادّية، بل يمكن تحقيقه من خلال الإيمان والأساليب المعنوية والقيم الإنسانية السامية، فيقول: «لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِى الأَرْضِ جَميْعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبْهِم وَلكِنَّ اللَّهَ الَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزيْزٌ حَكِيْمٌ».
صحيحٌ أنَّ هذه الآية نزلت بخصوص أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، إلّاأنَّ من الواضح أنَّ مفهومها عامٌ ويشملُ المؤمنين قاطبةً، كما اشير إلى هذا المعنى في تفسير الميزان [١].
إنَّ المسائل الماديّة وبسبب ضيقها تكون مصدراً للنزاعات والصراعات، ولو فرضنا أن تكون عاملًا للوحدة يوماً ما، فستكون وحدةً غير راسخةٍ، فالوحدة الراسخة تتحقق في ظل الإيمان والتقوى والقيم الروحية فقط.
[١] تفسير الميزان، ج ٩، ص ١٢٠.