نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٢ - هل للمجتمع روحٌ؟
وورد قرينُ هذا المعنى بتعابير اخرى في قوله تعالى حيث يقول حول أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «أَشِدّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ». (الفتح/ ٢٩)
وما يثير اهتمامنا هنا هو التعبير ب «هو الذي» في بداية الآية، حيثُ تُعرِّفُ الباري من خلال نصرة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله والتأليف بين قلوب المؤمنين، ويعدَّها من آيات وجود اللَّه تعالى، التآلف الذي يَسمو على جميع انواعِ التآلف، حتى على الروابط النسبية والسببية، ولهذا فقد هيمنت أواصر العصبية القبلية وبنحوٍ مذهلٍ على العلاقات التي كانت تسود المجتمع العربي أبان العصر الجاهلي لكن أواصر الإيمان والتقوى طغت على جميع أنواع الراوبط، وظهرت آثار هذا التآلف الروحي والمعنوي في جميع جوانب حياتهم الفردية والاجتماعية، وأذْعَنَ العالمُ باسرهِ أمام عظمتهم.
توضيح
هل للمجتمع روحٌ؟
إنَّ الأَحياء على قسمين وأغلبُها يعيش منفرداً ولا وجود اجتماعي فيما بينها ولو على صعيد اصغر وحدة اجتماعية أي العائلة، وبعضها قد تخطّى هذه الحياة قليلًا وأخذ يعيش مع قرينهِ، ولكنّ قليلًا من الحيوانات تعيش حياةً جماعيةً، وبعضها قد كون حضارةً، كالنحل، والَّنمل، والأرضة وغيرها من الحيوانات.
إلّا أنَّ هذا الصنف (الحيوانات الاجتماعية) لها نوعان من النقص أيضاً: الاوّل: هو استحالة الحياة المشتركة بين المجاميع المتباينة (كنحلِ خليتين أو بضع خلايا)، والثاني:
إنَّ حياتها الاجتماعية تتخذُ طابعاً واحداً باستمرار، اي أنَّ النحلَ يعيشُ اليوم كما يعيش قبل مليون سنة.
فالكائن الوحيد الذي يعيش حياةً جماعيةً غير مقيّدة ويسير نحو التطور والتكامل هو الإنسان، والدليل على ذلك هذا النمو والتطور وسيادة العلم والعقل على حياته الاجتماعية.