نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٢ - ٣- إذا كانَ الرزقُ مضموناً للجميع فلماذا يموتُ البعضُ جوعاً؟
بالإضافة إلى أنَّ التعرف على هذا الاختلاف في الرزق يدفع الحريصين إلى التخلي عن حرصهم، ولا يتلوث المؤمنون بتحصيل الرزق من الحرام، ولا ييأس المحرومون أيضاً.
٣- إذا كانَ الرزقُ مضموناً للجميع فلماذا يموتُ البعضُ جوعاً؟
في الآيات أعلاه تتجسدُ هذه الحقيقة جيداً بأنَّ اللَّه تعالى قد تكفَّلَ برزق جميع الموجودات الحيّة، وايصاله إليها أينما كانت، ولكن يبرز هذا السؤال وهو: لماذا ماتت وتموت مجاميعُ من الناس جوعاً الآن وعلى طول التاريخ؟ أَلَمْ يُؤَمَّنُ رزقُها؟!.
في الرد على هذا التساؤل يجب أخذ النقاط الآتية بنظر الاعتبار: أولًا: إنَّ تأمين وضمان الرزق لا يعني اعدادَه للإنسان العاقل والمكلَّف وارساله إلى بيته، أو وضعهِ في فمه كاللقمة، بل قد اعدت الأرضية اللازمة، وسعيُ الإنسان واجتهاده يعتبر شرطاً لتحقيق هذه الأرضية وايصالها إلى مرحلة الفعل، حتى مريم (عليها السلام) عندما كانت في ذلك الوضع الصعب وفي تلك الصحراء القاحلة حيث هيأ لها اللَّهُ تعالى رزقها رطباً جنياً على جذع النخلة أمرها بأنْ تسعى وخاطبها: «وهُزِّى الَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ».
ثانياً: لو أنَّ الناسَ- في الماضي والمستقبل- يقومون بهضم حقوق الآخرين ويسلبون أرزاقهم ظلماً فهذا ليس دليلًا على عدم تأمين البارىء تعالى للرزق، وبتعبير آخر: إضافة إلى مسألة السعي والاجتهاد فإنّ وجود العدالة الاجتماعية يعتبر سراً في التوزيع العادل للأرزاق، وإذا قيل: لماذا لا يمنع اللَّهُ ظلمَ الظالمين؟ نقول: إنَّ أساس حياة البشر يقوم على الحرية وليس على الاجبار والاكراه كي يخضع الجميع للامتحان، وإلّا فلا يحصل التكامل «فتأمل جيداً».
ثالثاً: هناك مصادر كثيرة لتأمين طعام البشر على هذه الكرة الأرضية ولكن يجب أن تكتشفَ وتُستخدمَ بذكائهم ومعرفتهم، وإذا قصَّر الإنسان في هذا المجال فالذنبُ ذنبهُ.
لا يجب أن ننسى أنّ بعض مناطق افريقيا التي يموت شعبها جوعاً تعتبر من اغنى