نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٨ - الطيرُ يُسبّحُ وأنا صامت!
يُسرٍ في جو السّماء لساعاتٍ وأحياناً لأسابيع، وحتى أحياناً لعدة شهور بدون توقفٍ، حركةً مرنة وسريعةً، بنحوٍ تبرهن على أنّها لا تواجه مشكلةً في عملها.
فيقول: «أَوَلَمْ يَرَوا الَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ ويَقْبِضْنَ» [١].
فلا أحد سوى الرحمن الذي عمَّت رحمتُه كلَّ شيء، يستطيع أن يُمسكَهُنَّ هناك: «مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرحْمَنُ».
أجل .. اللَّهُ الذي منَحها كلَّ أدوات الطيران، وعلَّمها طريقته واسلوبه، كما وضعَ قوانين وانظمةً تستفيدها فتحلّق بيسر وسهولة، فهو العليم بحاجات كل الموجودات والبصير بكلِّ شيءٍ: «إِنَّه بِكُلِّ شَىءٍ بَصِيْرٌ».
وابتداءً من الذرات حتى المنظومة الشمسية، والمنظومات الاخرى الجبارة، ومن النباتات والحيوانات المجهرية، حتى الموجودات العملاقة، والكل يستمر في وجوده بتدبيره جلَّ وعلا، التدبير الذي يُطلعنا في كلِّ مرحلةٍ منه على آيةٍ جديدةٍ من علمه وقدرته تبارك وتعالى، وينفي كل أشكال الاحتمال بوجود الصدفةِ وقدرتها على الخلق، ويملأ القلب بحبّه والإيمان به.
ويُمكن أن يكون التعبير ب «صافاتٍ» و «يَقْبِضْنَ» إشارة إلى وضع الطير، حيث يبسطنَ أجنحتهنَّ تارةً، ويجمعنَها اخرى، ويقدرنَ على الطيران من خلال هذين الفعلين، ويرِدُ هذا الاحتمال أيضاً بأنْ يكون إشارة إلى صنفين من الطيور: الطيور التي غالباً ما تكون أجنحتها مبسوطة، وتركبُ أمواجَ الهواء، وفي نفس الوقت تسيرُ في كلِّ اتجاهٍ بسرعة، فكأنّما هناك قدرةٌ خفيَّةٌ تُحركُها لا نراها بأعيننا، والطيور التي تخفق اجنحتها باستمرار أثناء طيرانها، ولبعضِ الطيور حالةٌ وسطٌ بين هاتين الحالتين أثناء الطيران [٢].
[١] يقول بعض المفسرين لو تعدت «الرؤية» ب «إلى» فهي تعني الرؤية الحسّية، وإذا تعدت ب «في» فهي تعني المشاهدة القلبية والمطالعة العقلية (تفسير روح البيان، ج ١٠، ص ٩١).
[٢] لماذا جاءت «صافاتٍ» بصيغة الاسم الفاعل، و «يقبضنَ» بصيغة الفعل المضارع؟ وردت تفسيرات كثيرة أفضلها: يقال إنّه عند انبساط الاجنحة يأخذ وضع الطائر نسقاً واحداً، بينما يتكرر رفيف اجنحته عند خفقانها، وهذا ما يناسب الفعل المضارع ويكسبه صفة الاستمرارية. وذُكر تفسير آخر في «الكشاف» وأيده بعض المفسرين: بأنّ منشأ هذا التفاوت ينبع من أنّ الطيران هو الحالة الأصلية الاولى للطيور، والحالة الثانية هي عرضية. غير أن الغموض يكتنف هذا التفسير.