نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٤ - البركات والأسرار العجيبة للجبال
الموجودة فيها حيث يقول: «وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً».
و «الاكنان»: جمع (كِنّ) على وزن (جِنّ) وكما قال صاحب مجمع البيان هو المكان الذي يضم الإنسان بداخله، إلّاأنّ البعض ذكر ذلك بمعنى كلّ نوعٍ من اللباس، حتى أنّهم اعتبروا «الرداء» «كنّاً» للإنسان، والمقصود ب «اكنان الجبال» المغارات والكهوف التي يستطيع الإنسان أن يستخدمها كملجاً له، قد تكون أهميّة الملاجيء الجبلية والمغارات مجهولة بالنسبة لسكنة المدن، غير أنّها ذات أهميّة حسّاسة جدّاً للمسافرين العُزّل، وقاطعي الصحراء، والرعاة، والسائرين ليلًا، وغالباً ما تنقذهم من الموت المحتوم، لا سيما وإنَّ هذه الملاجيء دافئة في الشتاء وباردةٌ في الصيف.
فضلًا عن ذلك فإنّ بعض الناس منذ غابر الأزمان وحتى يومنا هذا ينحتون بيوتهم في وسط الجبال، وهي مُحكَمَةٌ جدّاً وآمنة تماماً في مواجهة الحوادث الطبيعية، كما ورد في القرآن الكريم حول «أصحاب الحجر» (قوم ثمود): «وَكَانُوا يَنْحِتُوْنَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِيْنَ». (الحجر/ ٨٢)
وهذه فائدة اخرى للجبال.
وفي قسمٍ آخر من هذه الآيات إشارة إلى الطرق التي صنعها الباري تعالى بالوانٍ مختلفة بيضاء وحمراء وأحياناً سوداء بكاملها: «وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُختَلِفٌ أَلوانُهَا وغَرابِيبُ سُودٌ».
و «جُدَدٌ»: جمع (جُدّة) (كغُدَدٌ وغُدَّة) بمعنى الطريق والجادّة، و «بِيضٌ» جمع «أبيض»، و «حُمر» جمع «أحمر»، و «غرابيب» جمع «غربيب» وتعني شديد السواد، ولهذا يقال «غراب»، و «سود» جمع «أسود» ووردت هنا بعد كلمة «غرابيب» للتأكيد.
فطرقُ الجبال المختلفة، بألوانها المتباينة تماماً، لها أهميّة كبيرة حيث تساعد المسافرين في العثور على مقاصدهم، وتنقذهم من التيه، إضافة إلى أن تعدُّد الألوان يدلُّ على اختلاف مركبات الصخور، وقد تكون دليلًا على وجود المعادن المختلفة التي تختفي فيها.