نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩ - عالم الجنين الغامض
المختلفة، فيصنع من الحديد والفولاذ المصانع والمعامل أو يبني من المواد الإنشائية بناءً عظيماً بأحجام مختلفة.
إذن فللخلق مفهوم واسع يشمل كل هذه الأمور.
ولهذا وَرَد في القرآن الكريم عن لسان النبي عيسى عليه السلام قوله: «إِنِّى أخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطِّيْنِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيْهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ». (آل عمران/ ٤٩)
وبالطبع فإنّ الخالق الحقيقي أي ذلك الذي يوجد المادة والصورة وإليه تعود كل قدرات وخواص الأشياء هو اللَّه فقط، ومهمّة غيره من الخالقين وهم الخالقون المجازيون، هي تغيير الأشكال وتصميم المواد.
تشير الآية الثانية من الآيات المنظورة إلى مرحلة بداية ظهور الإنسان أولًا، أي عندما كان قطرة ماء حقير اسمه المني، ثم تذكر مرحلة العلقة فقط من بين مراحل نمو الجنين ولا تذكر المراحل الأخرى إلّاتحت عنوان: «فَخَلَقَ فَسَوّى» وهو تعبير شامل جدّاً، وتشدِّد خاصة على قضية ولادة الجنس «المذكر» و «المؤنث» وهي من أعقد المظاهر المتعلقة بعلم الأجنة: «فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والْأُنْثى».
«سوَّى»: من مادة (تسوية) بمعنى التنظيم والتسوية، ويعتقد البعض أنّها إشارة إلى خلق الروح الذي جاء في الآية السابقة بشكل آخر.
ويرى البعض أنَّ كلمة «الخلق» إشارة إلى خلق الروح، وكلمة «سوّى» إشارة إلى تنظيم وتعديل أعضاء الجسم الإنساني، وفسّرها البعض بالتعديل والتكميل.
لكن الظاهر أنّ تعبيرات الآية شاملة وواسعة بحيث تستوعب كل ألوان الخلق والتنظيم والتعديل والتكامل التي تطرأ على العلقة حتى ساعة وضع الحمل [١].
يقول الراغب في كتاب المفردات: تقال «التسوية» لصيانة الشيء من الأفراط والتفريط من حيث المقدار والنوعية.
[١] تفاسير القرطبي، روح المعاني، في ظلال القرآن، الميزان و الكبير، في التعقيب على الآية المعنية.