نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧١ - ١٤- غذاء الطفل مُعدٌّ قبل ولادته
ثم وهبه اللَّه القدرة على السماع والنظر والتفكير، ربّما كان ذكر السمع قبل ذكر الأبصار إشارة إلى أنّ النشاط السمعي عند الوليد يبدأ أولًا، وبعد فترة تكتسب الأعين قدرتها على الابصار، بل إنّ البعض يعتقد وكما أسلفنا أنّ للأذن في عالم الجنين مقداراً من القابلية على السماع، فهي تسمع أنغام قلب الأم وتعتاد عليها.
١٤- غذاء الطفل مُعدٌّ قبل ولادته
لا يستطيع وليد الإنسان والكثير من الحيوانات في بداية ولادته أن يأكل الأطعمة الجافة والثقيلة، ولهذا فقد هيّأت يد الخالق المقتدرة غذاءً خاصاً في ثدي الأم إسمه «اللبن»، والحقيقة أن نفس دماء جسم الأم التي كان الطفل ينتفع منها في الفترة الجنينية تتحول إلى لبن ضمن عملية تغيّر واسعة وسريعة، فتغذّيه حتى الفترة اللازمة.
يتغير شكل ثدي الأم بصورة تدريجية خلال فترة الحمل، ويكبر شيئاً فشيئاً نتيجة الافرازات التي يقذف بها الحبل السري إلى دم الأم ليأمرها بالاستعداد الكامل، وهكذا يُهيء الثدي نفسه لوظيفتِهِ المستقبلية الثقيلة.
إنّ الأنابيب الموجودة في الثدي والممتدة حتى قمة الثدي (الحلمة)، تتشعب وتزداد وتفرز إفرازات بسيطة، وعند ولادة الطفل تعلن عن استعدادها التام.
العجيب أن ترشح اللبن من خلايا الثدي ليس دائمياً وإلّا لخرج اللبن بصورة متواصلة إلى الخارج، بل إنّه بمجرّد ملامسة شفتي الوليد لثدي الأم وبدئه بالامتصاص تتجه الحوافز العصبية عن طريق الأعصاب إلى النخاع ومن النخاع إلى الهايبوثالموس فتؤدّي إلى نوعين من الافراز، يصب أحدهما في الأثداء عن طريق الدم فيضغط على الأنسجة المحيطة بأنابيب اللبن ليندفع اللبن باتجاه الحلمة، وتتمّ كل هذه الأعمال خلال ٣٠ ثانية، والأعجب أنّ اللبن لا يتحرك في ذلك الثدي الذي يرضع منهُ الطفل فقط، بل ويحدث هذا في الثدي الآخر أيضاً فيكون مستعداً، ولذا يُؤكد الأطباء على إرضاع الوليد من كلا الثديين.
اللبن غذاء كامل، وخاصة لبن الأم الذي يعتبر غذاءً أكمل بالنسبة لوليدها ولا يستطيع شيء في العالم أن يحل محله.